كان المؤرخُ الكبيرُ عبدُ الرحمنِ بنُ زيدانَ المعروفُ بابنِ زيدان المتوفى عام 1946 م / 1365 هـ أشهرَ مؤرِّخٍ مغربيٍّ في القرنِ الرابعَ عشرَ الهجريِّ، ومؤلِّفَ «النبوغِ المغربيِّ» و«الروضةِ السليمانيةِ» و«مظاهرِ اليقظةِ المغربيةِ». لكنَّ ما قد يكونُ أقلَّ شهرةً عنه هو أنَّه كان أيضاً «ناسخاً» محترفاً: كان ينسخُ بيده المصنَّفاتِ والتأريخاتِ والأوضاعَ التاريخيةَ، وكان يطالبُ بنسخِتها ومقابلتِها وتسفيرِها بنفسه. وبهذا كان نموذجاً فريداً للعالم المؤرخ الذي يجمع بين التأليف والنساخة بيده.

شهادةٌ من المصادر

يذكرُ المؤرِّخُ محمدُ المنونيُّ في كتابِه أنَّ:

«قد أحبا [ابن زيدان] ببلده خطةَ النساخةِ، ويستكتبُ من المؤلفاتِ المتوافرة، وخاصةً مستنداتِ العصرِ العلوي ومصادرِ تاريخِ المغرب مع اعتنائِه بمقابلتِها وتسفيرِها.»

فابن زيدانُ لم يكتفِ بتأليفِ كتبِ التاريخِ وتدوينِ الأحداثِ، بل كان يدخلُ ورشةَ النساخةِ بنفسه ليكتبَ ويُجِزَّ ويُعمِلَ أهواءَ اليدِ في نسخِ المصادرِ التاريخيةِ التي أعتمدَ عليها. وكان هذا الأسلوب يعكس منهجيةً علميةً دقيقةً في التأريخ، حيث كان المؤرخ لا يكتفي بالاطّلاع على المصادر، بل ينسخها بيده ويتأكّد من صحة نصوصها قبل الاعتماد عليها في تأليف كتبه.

أعمالُه الناسخةُ المحدَّدة

ومن بينِ منتسخاتِ ابنِ زيدانَ المعروفةِ:

  1. المناهجُ السويةُ في مآثرِ ملوكِ الدولةِ العلوية: عملٌ تاريخيٌّ ألّفه ابن زيدان نفسه، كتبه بيده بخطٍّ جميلٍ، وأفرغ منه نسخةً كاملةً في مجلّدينٍ كبيرين. وقد كان هذا الكتاب من أهمّ مراجع تاريخ الدولة العلوية، حيث جمع فيه ابن زيدان أخبار الملوك والسلاطين وأحداثهم.
  2. الروضةُ السليمانيةُ: عملٌ تاريخيٌّ مخطوط لمكتبة القصبة في الرباط، مؤرّخ بربيع الأول 4، 1364 هـ. وقد كان هذا الكتاب من أهمّ المصادر التاريخية عن عهد السلطان مولاي سليمان، حيث جمع فيه ابن زيدان أحداث ذلك العهد بتفاصيلها الدقيقة.
  3. مؤلفاتٌ كثيرةٌ للمؤرِّخِ ابنِ زيدانَ نفسه: كرّسَ حياتَه كلَّها في التدوينِ والتأريخِ، فكانت مخطوطاتُه هذه هي ذخيرتُهُ. وقد كانت هذه المخطوطات تتضمّن تراجم للعلماء والصلحاء، ووصفاً للمدن والزوايا والمساجد، وأخباراً عن الأحداث السياسية والاجتماعية.
  4. كتبٌ تاريخيةٌ متعلّقةٌ بالعصرِ العلويِّ: خصَّصَ نسخاً خاصةً لتاريخِ العصرِ العلويِّ ومصادرِه. وكانت هذه النسخ مراجع مهمةً للباحثين والمؤرخين الذين أتوا من بعده، حيث اعتمدوا عليها في دراساتهم وأبحاثهم.

لماذا كان المؤرخ نسّاخاً محترفاً؟

كانتِ المهنةُ الورّاقةُ في العصر الحسنى الثاني وبدايةِ الحمايةِ الفرنسيةِ تقومُ على ثلاثةِ مستوياتٍ:
1. النساخةُ عندَ البلاطِ الملكيِّ: حيثُ كان النسَّاخونَ نسخاً رسمياً يكتسبونَ مرتباتٍ من الدولةِ.
2. النساخةُ عندَ الخواصِّ والوزراءِ: حيثُ كان العلماءُ والوزراءُ يطلبونَ نسخَ كتبِهم بخطوطٍ مَرْضِيّةٍ.
3. النساخةُ الذاتيةُ: حيثُ كان العالمُ أو المؤرِّخُ ينسخُ بيدِه ما يحتاجُ إليه.

وكان ابنُ زيدانَ من النوعِ الثالثِ، أي أنَّه كان ينسخُ بيدِه، إمَّا لعدمِ توفرِ نسَّاخٍ محترفينَ لكتاباتِه، وإمَّا لحمايةِ خصوصيةِ المصادرِ التاريخيةِ، وإمَّا لأنَّ ذلك كان جزءاً من منهجِهِ العلميِّ: فهو لا يكتفي بالقراءةِ، بل يحبُّ أن يكتُبَ بيدِه ما يقرؤه، وهذا نوعٌ من التدوينِ والتأريخِ الذاتيِّ.

وكان هذا الأسلوب يعكس منهجيةً علميةً دقيقةً في التأريخ، حيث كان المؤرخ يطّلع على المصادر بنفسه وينسخها ويتأكّد من صحتها قبل الاعتماد عليها. وبهذا كان يضمن أنّ ما يكتبه في كتبه التاريخية يعتمد على مصادرَ موثوقةٍ وصحيحة، ممّا يرفع من قيمة مؤلّفاته وثقتها.

محمد الجزولي: الناسخ الذي كتب بإملاء ابن زيدان

يذكرُ الكتابُ أيضاً أنَّ المؤرِّخَ محمدَ الجزوليَ كان «اليدَ العاملةَ للمؤرِّخِ بوجندارَ في كلِّ ما خرجَهُ في مرضِه من التأليف»، مما يدلُّ على أنَّ مرضَ المؤرِّخينَ كان يُدي إلى تدوينِ مؤلَّفاتِهم بواسطةِ ناسخٍ موثوقٍ مثلِ الجزولي.

وقد كان محمد الجزولي من أوفياء الناسخين وأمتنهم، حيث كان يكتب بخطٍّ جميلٍ وبسرعةٍ فائقةٍ، ويتمتّع بثقافةٍ واسعةٍ تتيح له فهم النصوص التاريخية وتنسيقها بشكلٍ صحيح. وبهذا كان مثالاً للناسخ الأمين الذي يعتمد عليه المؤرخون في تدوين مؤلّفاتهم، وهو ما يدلّ على تكامل الأدوار بين العلماء والناسخين في مجال التأريخ والكتابة.

الخلاصة

إنَّ وجودَ ابنِ زيدانَ كأحدِ الورّاقينَ اللامعينِ في العصر الحسنى الثاني يفتحُ نافذةً جديدةً على فهمِ العلاقةِ بينَ التأريخِ والنساخةِ في المغربِ الحديثِ. فهو لم يكنْ مجرَّدَ مؤرِّخٍ يجمعُ الأخبارَ ويصنِّفُها، بل كان رجلاً يمارسَ المهنةَ بيدِه، ينسخُ المصادرَ ويُدقِّقُها ويُسلِّفُها. بذلك صارَ نموذجاً للعالمِ المؤرِّخِ النساخِ: يجمعُ بينَ حِرْفَةِ الكتابةِ اليدويةِ وحِرْفَةِ التدوينِ التاريخيِّ، مِمَّا يجعلُ أعمالَهُ مصدراً ووثيقةً في نفسِ الوقت. وتبقى هذه الشخصية مثالاً على كيف كان العلماء في المغرب يجمعون بين العلم النظري والعملي، بين التأليف والنساخة، بين التدريس والبحث، ممّا جعل منهم نماذجَ كاملةً للعالم الربّانيّ الذي يجمع بين مختلف أنواع المعرفة والمهارات.