تُعدّ الأرجوزةُ التي وضعَها محمدُ بنُ محمد بن قاسم الرفاعي الحسني الرباطي نموذجاً نادراً من الأدب الورّاقي المغربي في عهدِ العلويين، إذ هي منظومةٌ شعريَّةٌ كاملةٌ تتولّى تقويمَ عيوبِ الخطِّ العربي وتعليمَ أحكامِ كتابتِه. فهي إذن كتابٌ تعليميٌّ وفنّيٌّ مكتوبٌ في قالبٍ شعريّ، ممّا أهلَّها لأن تكون مرجعاً للخطَّاطين النَّاشئين في عصر العلوي. ويمثل هذا العمل تحولاً كبيراً في تاريخ تعليم الخط، حيث استخدم الشعر كأداة لحفظ وتدريس قواعد الخط.
النص الشعري وتأليفه
تتألَّفُ الأرجوزةُ من بضعةِ أبياتٍ موزونةٍ، تبدأُ بمقدِّمةٍ في فضلِ الخطِّ وحُسْنِه وتشرعُ من بعدُ في تقويمِ كلِّ نوعٍ من أنواعِ الحروفِ على حدةٍ. وقد فرغَ صاحبُها من نظمِها في غرَّةِ شوالٍ سنةَ 1267 هـ (1850 م)، وفقاً لنصِّ الأرْجوزةِ نفسِها التي تبدَأُ بذكرِ السنةِ في البيتِ الأوَّل. فهي بذلك تنتمي إلى فترةٍ انتقاليَّةٍ بين الخطِّ التقليديِّ المغربيِّ والخطِّ الحديثِ، مما يزيد من أهميتها التاريخية.
تقويم السطور والقلم
تحدِّدُ الأرجوزةُ في فاتحةِ أبياتِها الشعرية كيف يجبُ أن تكونَ السطورُ متساويةً في الطولِ، وكيف يجبُ أن يتَّسقَ الخطُّ فيها بحيثُ «لو كنتَ عليه مسطرةً مررتَ برأسِها غير مسفرة». ثم تنتقلُ الأرجوزةُ بعدَ ذلك إلى وصفِ كيف يجب تشكيل القلم وتقطيعه. فتقول: «من قصبٍ يكون فهو خيرٌ من ذهبٍ وذاكَ فيه سرّ... برأسِه يقتصد القصبُ ممسكاً له أجلَ ما شاءَ». وتُعرِّفُ كيف يكونُ طرفُ القلمِ حادَّاً كرمحٍ: «كالرمحِ في التقويمِ حادِّ الرأس سليلُ صدرٍ لا ترى من بأس».
تقويم الحروف
تشرعُ الأرجوزةُ بعدَ ذلك في وصفِ كيف تُكتبُ الحروفُ القائمةُ (الألفُ واللامُ والباء)، من حيثُ علاقتُها بالشَّطْر (الخطِّ الأفقيِّ) وطولُها. فتقول: «أجلُّ ما انتُصِبَ على الخطِّ في اعتدالٍ ومييز الألفَ بقصبِ السبقِ بسجدةٍ سجدَها قلمُكَ». ثمّ تصِفُ كيف تكونُ الحروفُ المفتوحةُ على شكلِ نصفِ دائرةٍ أو أطرافٍ مقوَّسة، وكيف يتَّصلُ بعضُها بالشّطْر والبعضُ الآخرُ مشخصوفٌ بما فوقه. وتخصِّصُ الأرجوزةُ قسمينِ كاملينِ للحروفِ المشقوقةِ مع دقائقَ تفصيلية في رسمِها. وتختمُّ بوصفِ لامِ الألف وكيف تختلفُ مِقدارُ التواءِ رأسِها تبعاً لشكلِ الحرفِ الذي يليها.
فضائل الخط في الأرجوزة
في خاتمةِ الأرْجوزة، يعودُ الشَّاعرُ المجهولُ لِيؤكِّدَ فضلَ الخطِّ وحُسْنَهُ، من خلالِ مقارنةٍ بين الخطِّ والجواهر واللآليء: «قد ضبطَ الحروفَ بالجواهر مُبدَّلاً بالسمطِ وهذا ظاهر». ويختتمُّ مديحاً للخطَّاطين الكبار في المغربِ وتلمسان وسلا، ويستجدي اللهَ أن يجعلَهُ من أهلِ هذا الفنِّ: «وأرجو منَ اللهِ أن أكونَ منهم فينظموا جوهَري في سلكِهم».
الأهمية التاريخية للأرجوزة
تمثّلُ هذه الأرجوزةُ وثيقةً ثمينةً في تاريخِ تعليمِ الخطِّ في المغربِ العربي، وسببُ أهمِّيَّتِها ثلاثة: جنسٌ أدبيٌّ نادر، قلَّما نجدُ عصوراً أدبيَّةً شعريَّةً في تقويمِ الخطِّ، ومعظمُ مؤلَّفاتِ الخطِّ العربيّ تأتي في شكلٍ نثريّ تعليميٍّ. والتأثيرُ التلمساني، حيث يظهرُ في نصوصِ الأرجوزةِ تأثُّرٌ واضحٌ بتلمسان، حيثُ يُذكرُ «الشيخُ مروان» و«الجريّرِيُّ» والكزنوسيُّ» وهم خطَّاطون تلمسانيُّون معروفون. والأرجوزةُ وَثيقَةٌ توثِّقُ صلةَ الخطِّ المغربيِّ بالخطِّ التلمسانيِّ. وتاريخُ صدورها، حيث تنتمي إلى فترةٍ انتقاليَّةٍ بين الخطِّ التقليديِّ المغربيِّ والخطِّ الحديثِ.
الخلاصة
تُعدّ أرجوزةُ «تقويم الخط» لمحمد الرفاعي الحسني عملًا فريدًا يجمعُ بين الشعرِ والخطِّ والتعليمِ، وقد حافظَ على نسخةٍ خطِّيَّةٍ محفوظةٍ في خزائنِ الكتبِ المغربيةِ. وهي شاهدٌ على عمقِ الاهتمامِ بالخطِّ العربيِّ في عصر العلوي، وعلى محاولةِ الخطَّاطين المغاربةِ الاحتفاظِ بالتراثِ الخطِّيِّ العربيّ القديمِ بأيةِ طرقٍ، بما في ذلك الشعرِ التعليميِّ. وهي تُوجدُ اليوم كمرجعٍ ثمينٍ لباحثي تاريخِ الخطِّ العربيّ في المغربِ.