تُعدّ الأرجوزةُ التي وضعَها محمدُ بنُ محمد بن قاسم الرفاعي الحسني الرباطي نموذجاً نادراً من الأدب الورّاقي المغربي في عهدِ العلويين، إذ هي منظومةٌ شعريَّةٌ كاملةٌ تتولّى تقويمَ عيوبِ الخطِّ العربي وتعليمَ أحكامِ كتابتِه. فهي إذن كتابٌ تعليميٌّ وفنّيٌّ مكتوبٌ في قالبٍ شعريّ، ممّا أهلَّها لأن تكون مرجعاً للخطَّاطين النَّاشئين في العصر العلوي.
صياغة النصّ
تتألَّفُ الأرجوزةُ من بضعةِ أبياتٍ موزونةٍ موزونة، تبدأُ بمقدِّمةٍ في فضلِ الخطِّ وحُسْنِه وتشرعُ من بعدُ في تقويمِ كلِّ نوعٍ من أنواعِ الحروفِ على حدةٍ. وقد بدأ الشاعر بمدح الخطّ والحثّ على تعليمه وتعلّمه، حيث بيّن فضله ومكانته في الحضارة الإسلامية، ثمّ انتقل إلى تفاصيل تقويم الحروف على حدةٍ.
1. تقويم السطور
تحدِّدُ الأرجوزةُ في فاتحةِ مطلعِ الشعرية كيف يجبُ أن تكونَ السطورُ متساويةً في الطولِ، وكيف يجبُ أن يتَّسقَ الخطُّ فيها بحيثُ «لو كنتَ عليه مسطرةً مررتَ برأسِها غير مسفرة». وبهذا يكون السطر مستقيماً ومتساوياً في الطول، وهو ما يدلّ على ضبط الخطّ واتّساقه.
2. تقويم القلم
تنتقلُ الأرْجوزةُ بعدَ ذلك إلى وصف طريقة تقويم القلم. فتقول:
«من قصبٍ يكون فهو خيرٌ من ذهبٍ وذاكَ فيه سرّ... برأسِه يقتصد القصبُ ممسكاً له أجلَ ما شاءَ»
وتُعرِّفُ كيف يكونُ طرفُ القلمِ حادَّاً كرمحٍ: «كالرمحِ في التقويمِ حادِّ الرأس سليلُ صدرٍ لا ترى من بأس».
وكان القلم المصنوع من القصب هو الأداة الرئيسية للخطّاطين في ذلك العهد، حيث كانوا يشذبون طرفه بحيث يصبح حادّاً مناسباً للكتابة. وقد وصف الشاعر هذا التقويم بأسلوبٍ شعريٍّ جميلٍ يجمع بين الدقة الفنية والجمال الأدبي.
3. تقويم الحروف القائمة
تشرعُ الأرجوزةُ بعدَ ذلك في وصفِ كيف تُكتبُ الحروفُ القائمةُ الألفُ واللامُ والباء، من حيثُ علاقتُها بالشَّطْر الخطّ الأفقيّ وطولُها. فتقول:
«أجلُّ ما انتُصِبَ من الخطِّ في اعتدالٍ ومييز الألفَ بقصبِ السبقِ بسجدةٍ سجدَها قلمُكَ».
وكانت الحروف القائمة من أهمّ الحروف في الخطّ العربي، حيث تعتمد كتابتها على النسبة بين الطول والعرض، وعلى علاقتها بالشطر الخطّ الأفقيّ. وقد بيّن الشاعر هذه القواعد بأسلوبٍ شاعريٍّ سهلٍ مألوف.
4. تقويم الحروف المفتوحة
ثمّ تصِفُ كيف تكونُ الحروفُ المفتوحةُ من قاعدتها السَّينُ والدالُ والفاءُ والقافُ والخاءُ على شكلِ نصفِ دائرةٍ أو أطرافٍ مقوَّسة، وكيف يتَّصلُ بعضُها بالشّطْر والبعضُ الآخرُ مشخصوفٌ بما فوقه. وبهذا تعطي الأرجوزة دقائقَ مهمّةً في كتابة هذه الحروف وضبطها.
5. تقويم الحروف المشقوقة
تخصِّصُ الأرجوزةُ قسمينِ كاملينِ للحروفِ المشقوقةِ الدالُ والذالُ والكافُ والعينُ والغينُ والخاءُ مع دقائقَ دقيقةٍ في رسمِها. وكانت هذه الحروف من أصعب الحروف في الخطّ العربي، حيث تتطلّب مهارةً كبيرةً ودقةً فائقةً في رسمها، ولهذا كان الخطّاطون يعطونها عنايةً خاصةً في تعليمها وتقويمها.
6. تقويم لام الألف
تختتمُّ بوصفِ لامِ الألف وكيف تختلفُ مقدارُ التواءِ رأسِها تبعاً لشكلِ الحرفِ الذي يليها. وكانت لام الألف من الحروف التي تتطلّب مراعاةً خاصةً في كتابتها، حيث يتغيّر شكلها بحسب السياق الذي تأتي فيه، ولهذا كان الخطّاطون يهتمّون بتقويمها وتعليمها للمبتدئين.
فضائلُ الخطِّ في الأرجوزة
في خاتمةِ الأرْجوزة، يعودُ الشَّاعرُ المجهولُ لِيؤكِّدَ فضلَ الخطِّ وحُسْنَهُ، من خلالِ مقارنةٍ بين الخطِّ والجواهر واللآليء:
«قد ضبطَ الحروفَ بالجواهر مُبدَّلاً بالسمطِ وهذا ظاهر»
ويختتمُّ مديحاً للخطَّاغين الكبار في المغربِ وتلمسان وسلا، ويستجدي اللهَ أن يجعلَهُ من أهلِ هذا الفنِّ:
«وأرجو منَ اللهِ أن أكونَ منهم فينظموا جوهَري في سلكِهم».
وقد عبّر الشاعر عن إعجابه بالخطّ ومكانته السامية في الحضارة الإسلامية، حيث شبّهه بالجواهر واللآليء النفيسة، وعبّر عن رغبته في أن يكون من أهل هذا الفنّ الشريف.
أهمِّيَّةٌ تاريخيَّةٌ
تُمثِّلُ هذه الأرجوزةُ وثيقةً ثمينةً في تاريخِ تعليمِ الخطِّ في المغربِ العربي، وسببُ أهمِّيَّتِها ثلاثة:
- جنسٌ أدبيٌّ نادر: قلَّما نجدُ عصوراً أدبيَّةً شعريَّةً في تقويمِ الخطِّ، ومعظمُ مؤلَّفاتِ الخطِّ العربيّ تأتي في شكلٍ نثريّ تعليميٍّ.
- التأثيرُ التلمساني: يظهرُ في نصوصِ الأرجوزةِ تأثُّرٌ واضحٌ بتلمسان، حيثُ يُذكرُ «الشيخُ مروان» و«الجريِّري» والكزنوسيّ وهم خطَّاطون تلمسانيُّون معروفون. فالأرجوزةُ وَثيقَةٌ توثِّقُ صلةَ الخطِّ المغربيِّ بالخطِّ التلمسانيِّ.
- تاريخُ صدورها: فرغَ صاحبُها من نظمِها في غرَّةِ شوالٍ سنةَ 1267 هـ 1850 م، وفقاً لنصِّ الأرْجوزةِ نفسِها التي تبدَأُ بذكرِ السنةِ في البيتِ الأوَّل. فهي بذلك تنتمي إلى فترةٍ انتقاليَّةٍ بين الخطِّ التقليديِّ المغربيِّ والخطِّ الحديثِ.
الخلاصة
تُعدّ أرجوزةُ «تقويم الخط» لمحمد الرفاعي الحسني عملًا فريدًا يجمعُ بين الشعرِ والخطِّ والتعليمِ، وقد حافظَ على نسخةٍ خطِّيَّةٍ محفوظةٍ في خزائنِ الكتبِ المغربيةِ. وهي شاهدٌ على عمقِ الاهتمامِ بالخطِّ العربيِّ في العصر العلوي، وعلى محاولةِ الخطَّاطين المغاربةِ الاحتفاظِ بالتراثِ الخطِّيِّ العربيّ القديمِ من خلالِ طرقٍ مبتكرةٍ في التدريس كالشعر التعليمي. وهي تُعدّ اليوم مرجعاً ثميناً لباحثي تاريخِ الخطِّ العربيّ في المغربِ، تبرز كيف يمكن للشعر أن يكون وسيلةً فعّالةً لنقل المعرفة التقنيّة والفنية.