مع تراجع المركز الحضريّ للوراقة في فاس ومراكش خلال أواخر العصر السعدي، تحوّل نشاط النسّاخين والورّاقين إلى الجهات الريفية، حيث انتشروا في الزوايا والامارات الصغيرة في سفح الجبال الأطلس المتوسط والكبير، ممّا أحدث تحوّلاً عميقاً في جغرافيا الكتاب في المغرب. وقد مثّل هذا التحوّل انتقالاً مهماً في تاريخ الوراقة المغربية، حيث انتقلت هذه الحرفة من المدن الكبرى إلى الجهات الريفية النائية، ممّا سهّل على السكّان في تلك الجهات الوصول إلى الكتب والمعرفة.

السابقة التاريخية

كانت الوراقةُ تقتصر على المدن الكبرى كفاس ومراكش ومكناس وسلا طوال القرون السابقة، لكن في أعقاب العهد السعدي، مع انتشار الزوايا الكبرى في جهات الجبال، انتقل نشاط النسّاخين مع هذه الحركة الدينية والاجتماعيّة. وكانت الزوايا في ذلك العهد مراكزَ للعلم والتعليم، حيث كان العلماء يقيمون فيها ويعلّمون الطلبة، فكانت بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الكتب والمخطوطات.

وقد أدّى هذا التحوّل الجغرافي إلى انتشار الوراقة في مناطقَ لم تكن تعرف هذه الحرفة من قبل، حيث أصبحت الزوايا مراكزَ للنساخة والوراقة، وانتشرت الكتب في مختلف جهات المملكة. كما ساهم هذا في حفظ التراث العلمي من الاندثار، حيث أصبحت المخطوطات محفوظةً في أماكنَ متعددةٍ بدلاً من أن تكون محصورةً في الخزائن الحضرية الكبرى.

الزوايا التي برزت في هذا الصدد

وقد اشتهرت في هذا الإطار عدّة زوايا، من جملتها:
- زاوية الصومعة ببني ملال: وتعدّ من أوّل الزوايا التي انتشر فيها النسّاخون، حيث كتب منها عددٌ من المؤلفات العلميّة والحديثية. وكانت هذه الزاوية مركزاً علمياً هاماً في منطقة الأطلس المتوسط، حيث جذبت العلماء والطلبة من مختلف أنحاء المملكة.
- زاوية تافيلالت: شمال تارودانت، حيث كان هناك ورّاقون يشتغلون بنسخ الكتب. وقد اشتهرت هذه المنطقة بنشاطها العلمي والثقافي، حيث كانت تحتضن عدّة زوايا ومراكز تعليمية.
- الإمارة الدالية: حيث ظهر ورّاقون معروفون في الإمارات الصغيرة. وكانت هذه الإمارات مراكزَ حكمٍ محليةٍ كانت تهتمّ بالعلم والثقافة، فكانت بحاجةٍ إلى كتبٍ ومخطوطات.
- الزاوية الناصرية والزاوية الحمزية: حيث عُثر على مخطوطاتٍ نسخها ورّاقون من هذه الجهات. وكانت هاتان الزاويتان من أبرز المراكز العلمية في منطقة تافيلانت، حيث اشتهرتا بالعلم والصلاح والوراقة.

أثر هذه الظاهرة في المصادر

ويقول المؤلّف: «ظهر ورّاقون في كلّ من زاوية الصومعة ببني ملال وزاوية تافيلالت شمالي مدينة تارودانت؛ وفي الإمارتين الدالية والزاويتين الناصرية والحمزية». وهو ما يدلّ على انتشارٍ جغرافيٍّ واسعٍ للوراقة لم يسبق له مثيل في تاريخ المغرب.

وقد أدّى هذا الانتشار الواسع إلى تنوّع الخطوط وأساليب النسخ، حيث طوّر كلّ إقليم أسلوبه الخاصّ في الكتابة والزخرفة. كما ساهم في حفظ تراثٍ وافٍ من المخطوطات العلمية والأدبية، حيث أصبحت هذه المخطوطات محفوظةً في أماكنَ متعددةٍ، ممّا زاد من فرص بقائها وحمايتها من التلف والضياع.

الأسباب

ويمكن تفسير هذا الانتشار بعدّة عوامل:
- الاستقرار النسبي: في المناطق التي استقرّت فيها الزوايا، توفرت بيئةٌ مناسبةٌ للعلم والنسخ.
- الطلب على الكتب: كانت الزوايا مراكزَ للتعليم والدراسة، ممّا خلق حاجةً مستمرّةً إلى كتبٍ جديدة.
- الهجرة: هاجر عددٌ من الورّاقين من المدن إلى هذه الزوايا، حتّى صار العمل الكتابي حرفةً ريفيةً إلى جانب كونه حرفةً حضرية.

كما كان للزوايا دورٌ كبيرٌ في نشر العلم والثقافة في الجهات الريفية، حيث كانت توفّر التعليم للطلبة مجاناً أو بأسعارٍ زهيدة، وكانت تُقيم حلقاتٍ علميةً وندواتٍ ثقافيةً تجمع العلماء والطلبة من مختلف المناطق.

أهمية هذه الظاهرة

ترك هذا التحوّل أثراً واضحاً على تاريخ الكتاب في المغرب:
- تنوّع الخطوط: كان للورّاقين في الزوايا أسلوبٌ خاصّ في الكتابة، يختلف قليلاً عن خطّ المدن. وبهذا تنوّع الخطّ المغربي وتعدّدت أساليبه، ممّا أغناه وأعطاه طابعاً محلياً مميّزاً في كلّ منطقة.
- حماية التراث: ساهمت النسخ في الزوايا في حفظ المؤلفات العلميّة من الاندثار خلال فترات الاضطراب. وكانت المخطوطات التي نسخت في الزوايا محفوظةً في أماكنَ آمنةٍ، بعيدةً عن الحروب والغزوات التي كانت تهدّد المدن الكبرى.
- التواصل الحضاري: ظلّت الزوايا على اتصالٍ بالمراكز العلميّة الكبرى، حافظت على انتقال التراث من جيلٍ إلى جيل. وكان العلماء يتبادلون الكتب والرسائل والهدايا العلمية بين المدن والزوايا، ممّا سهّل نقل المعرفة وانتشارها في مختلف أنحاء المملكة.

الخلاصة

تحوّل الوراقة المغربيّة في أواخر العصر السعدي من مدنٍ كبرى إلى زواياَ ومراكزَ دينية، هو تحوّلٌ حضاريّ يعكس مرونةً كبيرةً في النظم الاجتماعية والثقافية. فقد استطاعت الوراقة أن تتأقلم مع التغيّرات السياسية والاجتماعية، وظلّت حيّةً في الجهات التي لم يصلها الفساد والاضطراب. وبهذا كان للزوايا دورٌ محوريٌّ في الحفاظ على التراث العلمي والثقافي للمغرب، وضمان استمرارية الحركة العلمية والثقافية على مدى القرون.