يُعدّ السلطان أبو الحسن على بن أبي سعيد عثمان بن يعقوب المريني المتوفى عام 752 هـ / 1351 م واحداً من أندر الحالات في تاريخ الحضارة الإسلامية، ذلك أنَّه جمع بين منصب السلطان والسيادة وبين الإتقان الكامل لخط المصحف الشريف، بحيث امتازت منتسخاته بجودة لا مثيل لها، وظلّت شاهداً على هذه الموهبة الملكية حتى اليوم. وقد مثّل هذا الجمع بين السلطة والوراقة سابقةً فريدةً في تاريخ المغرب الإسلامي، حيث لم يعهد التاريخ حاكماً يهتمّ بالخطّ والنساخة بهذا القدر من الاهتمام والإتقان.
الموهبة الخطّاطية
لقد أحكم السلطان أبو الحسن الخط المصحفي إتقاناً كاملاً، وتفرّد بهذه المهارة على نحوٍ جعل المؤرخين يخصّونه بالذكر دون سواه. وذاك أنَّه تعلّم أصول الخطّ المصحفي على يد «النجلي»، وهو الخطّاط البارع في عصره، وبلغ به الغاية القصوى في الإجادة. وكما يذكر ابن مرزوق في «المسند الصحيح الحسن»، فإنَّ السلطان كان يعكف على نسخ كتاب الله في الأوقات التي يخلو فيها من شؤون الحكم، ممّا يدلّ على تفرّغه لهذه الموهبة.
وكانت دراسة الخطّ المصحفي في ذلك العهد تتطلّب سنواتٍ طويلةٍ من التدريب والتمرين، حيث كان المتعلم يدرس أصول الحروف وعلاقاتها بالقواعد المعروفة في فنّ الخطّ. وقد برع أبو الحسن في هذا الفنّ حتى أصبح يُضرب به المثل في الإجادة والإتقان، واشتهرت منتسخاته بجمال الخطّ وضبطه واتّساقه، ممّا جعلها محطّ إعجاب العلماء والخطّاطين على حدٍّ سواء.
الربعات القرآنية الخمس
وقد كتب أبو الحسن بخطه لخمس ربعاتٍ قرانيةٍ كريمة، وهي كالآتي:
- الربع الأوّل: أوقفه على مشهد الحسين بمدينة كربلاء.
- الربع الثاني: أوقفه على المسجد النبوي بالمدينة المنورة.
- الربع الثالث: أوقفه على المسجد الحرام بمكة المشرّفة.
- الربع الرابع: أوقفه على المسجد الأقصى بالقدس الشريف، ولا يزال معظمها موجوداً في المتحف الإسلامي بالقدس حتى اليوم.
- الربع الخامس: شرع في كتابته برسم المقام الخليلي بفلسطين، فلم يتمّه، ثمّ أتمّه بعض أبنائه من بعده.
وكانت هذه الربعات القرآنية من أعظم الإنجازات الخطّاطية في تاريخ المغرب الإسلامي، حيث جمعت بين الإتقان الفنيّ والقيمة الروحية العالية. وقد أوقفها السلطان أبو الحسن على الأماكن المقدسة دلالةً على تقديسه لكتاب الله وتكريسه لخدمته. وما تزال بعض هذه الربعات محفوظةً في متاحف العالم الإسلامي، وهي شاهدةٌ على عصرٍ كان فيه الفنّ الخطاطي يزدهر تحت رعاية السلالة الحاكمة نفسها.
السلطان كأديب الموقف الديني
إنّ وقف هذه الربعات على الأماكن المقدسة يُظهر بعداً دينياً عميقاً في شخصية أبي الحسن المريني، فهو لم يكتفِ بكتابتها بيده فحسب، بل جعلها وقفاً خيرياً على الأماكن الأقدس في الإسلام، دليلاً على توحيده لله وإخلاصه للشعائر الإسلامية. وقد كانت هذه الوقفيات جزءاً من ثقافة الوقف التي كانت سائدةً في الحضارة الإسلامية، حيث كان الحكّام والأغنياء يوقفون أملاكهم وأموالهم على المصالح العامة والمقدسات الإسلامية.
وكان السلطان أبو الحسن يعتني بشؤون القرآن والمصحف الشريف عنايةً فائقةً، حيث كان ينسخ أجزاءً منه بخطّه ويجمعها في مصاحف كاملة، ثمّ يوقفها على المساجد والمقدسات. ويدلّ هذا على أنَّه كان رجلاً متديناً عميق الإيمان، يجمع بين قوّة الحاكم وحنكة العالم، وبين سطوة السلطان وتواضع العابد لربّه.
التأثير على الورّاقين
ولم يكتفِ السلطان أبو الحسن بالمحافظة على مهارته الخاصّة، بل شجّع أبنائه على تعلم الخطّ المصحفي. وقد ساهم ابنه أبو عنان بدوره في كتابة ربعة المقام الخليلي، وأتمّه بعد والده. وبهذا ساهمت الأسرة المرينية في إحياء الخطّ المصحفي المغربي الذي كان يعاني من تراجعٍ نسبيٍّ في العهود السابقة.
وقد ترك هذا الاهتمام السلطان بالخطّ أثراً كبيراً في الوراقة المغربية، حيث شجّع الورّاقين والخطّاطين على الارتقاء بمستوى مهاراتهم وتطويرها. وأصبح الخطّ المصحفي المغربي يُضرب به المثل في الجودة والإتقان، واشتهر في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. كما أدّى هذا الاهتمام إلى ازدهار صناعة التسفير والتذهيب، حيث أصبحت الكتب المغربية تُزيّن بزخارفَ ذهبيةٍ فاخرةٍ تتناسب مع جودة الخطّ.
الخلاصة
إنّ شخصيّة السلطان أبي الحسن المريني كخطّاطٍ مصحفيٍّّ تظلّ فريدةً في تاريخ المغرب الإسلامي، فقد جمع بين السياسة والخطّ، بين السلطة والوراقة، بين الحاكم والمحبّ لكتاب الله. ولا يزال بعض ما نسخه بخطّه محفوظاً في متاحف العالم الإسلامي، شاهداً على عصرٍ كان فيه الفنّ الخطاطي يزدهر تحت رعاية السلالة الحاكمة نفسها. وتبقى هذه الشخصية مثالاً نادراً على كيفيّة الدمج بين السلطة والثقافة، وكيف يمكن للحاكم أن يكون راعياً للفنون والعلوم ومشجّعاً على الإبداع والتميّز.