على مدار التاريخ المغربي، لم تكن مهنةُ الوراقةِ حكراً على الرجال، بل شاركت فيها نساءٌ برزنَّ بموهبتهنَّ وتقنّهنَّ في فنّ الخطّ والنسخ. وفي العصر العلوي الأوّل 1075–1171 هـ / 1664–1757 م، ظهرت نساءٌ في هذا المجال، استطعن أن يتركنَّ أثراً واضحاً في تراثنا المخطوطي. ويعدّ هذا الظهور تحوّلاً مهماً في تاريخ الوراقة المغربية، حيث أظهر أنّ المرأة كانت قادرةً على التفوق في هذا المجال وتترك إرثاً ثقافياً كبيراً.

وقد مثّل ظهور النساء الورّاقات في العصر العلوي نقطةً مهمةً في تاريخ الثقافة المغربية، حيث دحض فكرة حصر بعض المهن بالرجال وأظهر أنّ المرأة كانت قادرةً على المساهمة في مجالات العلم والثقافة والصناعة بفاعليةٍ كبيرة. كما دلّ هذا الظهور على أنّ المجتمع المغربي كان منفتحاً على مشاركة المرأة في الأنشطة الثقافية والعلمية، وهو ما كان سمةً بارزةً في الحضارة الإسلامية بشكلٍ عام.

الغيالانة الأندلسية التطوانية

من أبرز هؤلاء النسوة الغيالانة الأندلسية التطوانية المتوفاة عام 1173 هـ / 1759–1760 م. كانت هذه المرأة من أصول أندلسية استقرّت بتطوان، واشتهرت بنساخة الكتب بخطّها الماهر. وقد ذكر المصادر أنَّها كتبت بيدها جميع كتاب «الاكتفاء» للكلاعي، وهو مقصدٌ فقهيٌّ كبيرٌ، مما يدلّ على أنَّها كانت صاحبة ثقافةٍ شرعيةٍ واسعةٍ وقدرةٍ على نسخ المؤلفات الكبيرة. وقد عاشت طويلاً حتّى سنة وفاتها كانت بعد سنة 1172 هـ، وهو ما يدلّ على استمرارها في العمل حتّى نهاية العمر.

وكان كتاب «الاكتفاء» للكلاعي من أهمّ المصنّفات الفقهية في ذلك العهد، حيث جمع بين الفقه المالكي والاجتهادات المختلفة، وهو ما يتطلّب من النسّاخ ثقافةً فقهيةً واسعةً وفهماً عميقاً للنصّ. وقد برهنت الغيالانة على أنّها كانت على مستوى هذه المهمّة، حيث نسخت هذا الكتاب بكلّ دقةٍ وإتقان، ممّا جعل نسختها مرجعاً يُعتمد عليه في ذلك العهد.

وكانت الغيالانة مثالاً حيّاً على كيف يمكن للمرأة أن تبرز في مجال العلوم والثقافة والوراقة، حيث جمعت بين الثقافة الشرعية الواسعة والموهبة الخطّاطية العالية. وبهذا أصبحت نموذجاً للنساء اللاتي يردن الاشتغال بالعلم والكتابة في مجتمعٍ كانت فيه هذه المهنّ مقصورةً على الرجال في الغالب.

عائشة بنت أحمد بن عاشر السلاوية

وإلى جانب الغيالانة، تظهر في المصادر اسم عائشة بنت أحمد بن عاشر السلاوية، وقد عاشت في أواسط القرن الثاني عشر الهجريّ / الثامن عشر الميلاديّ. فقد وقف المؤرخ محمد الدكالي على مخطوطةٍ من كتاب «التوشيح» للسيوطي بسلا، مكتوبة بخطّ هذه المرأة. وقد ذكر أنَّ فرع هذه النسخة تمّ في فاتح سنة 1146 هـ.

وكانت عائشة بنت أحمد بن عاشر من النساء العالمات اللاتي جمعن بين العلم والخطّ والنساخة، حيث كانت تنسخ الكتب بخطّها وتضيف إليها هوامش وتعليقاتٍ توضيحية. وقد برزت في مجال الوراقة بفضل ثقافتها الواسعة وإتقانها لخطّها، ممّا جعلها محطّ إعجاب العلماء والورّاقين في عصرها. وكانت هذه المرأة مثالاً على كيف يمكن للتعليم والتربية أن يرفعا من شأن المرأة ويجعلانها قادرةً على المساهمة في الحياة العلمية والثقافية.

نسبة إلى الأندلس

وذكر المؤرخون أنَّ الغيالانة كانت «أندلسيةً تطوانية»، أما عائشة فكانت «سلاويةً»، وهو ما يدلّ على انتشار الورّاقات في مختلف الجهات. ويمكن أن نلاحظ أنَّ أصولهنّ الأندلسية تشير إلى أنَّ ثقافة الكتاب كان قد انتقل من الأندلس إلى المغرب مع المهاجرين.

وقد حمل المهاجرون الأندلسيون معهم تراثهم الثقافي والعلمي والخطّي، حيث كانوا من أبرز الخطّاطين والنسّاخين في الأندلس. وعندما استقروا في المغرب، أسسوا ورشاتٍ للخطّ والنساخة، وعلّموا أبناء المغرب هذه الفنون، ممّا أدّى إلى تطوير الخطّ المغربي وازدهاره. وكانت المرأة الأندلسية جزءاً من هذا النقل الثقافي، حيث شاركت في نقل التراث الأندلسي إلى المغرب والمحافظة عليه وتطويره.

وقد أدّى هذا التواصل الثقافي بين الأندلس والمغرب إلى ازدهارٍ كبيرٍ في مجال الخطّ والوراقة، حيث امتزجت الأساليب الأندلسية بالأساليب المغربية لتشكيل نمطٍ جديدٍ مميّز. وأصبح الخطّ المغربي من أرقى الخطوط العربية، حيث اشتهر بجماله ودقّته واتّساقه.

الخلاصة

تُظهر هاتان النموذجان أنَّ الوراقة المغربية في العصر العلوي كانت مهنة مفتوحةً للنساء اللاتي يمتلكنّ القدرة والرغبة في الاشتغال بها. فلم يمنعنّ عن المشاركة في الحياة العلمية والكتابيّة، بل شاركنَّ فيها بشكلٍ فعّالٍ، وتركنَ لنا شواهد مادّةً على دقّة خطوطهنَّ وسماحة مطالعهنَّ. وهي بذلك ثقافةٌ نسائيّةٌ تستحقّ الدراسة والاحتفاء. وتبقى هاتان النموذجان نموذجين يُحتذى بهما في تاريخ الوراقة المغربية، حيث تظهر أنّ المرأة كانت قادرةً على المساهمة في مختلف مجالات العلم والثقافة بفاعليةٍ كبيرةٍ وإتقانٍ رفيع.

ولا يقتصر دور المرأة في الوراقة المغربية على هاتين النموذجين فقط، بل كان هناك كثيرٌ من النساء اللاتي اشتهرن بالخطّ والنساخة في مختلف العصور، حيث كنّ يشكّلن جزءاً لا يتجزّأ من النشاط الثقافي والعلمي في المغرب الإسلامي. وتبقى هذه الشواهد التاريخية دليلاً على كيف كانت الحضارة المغربية منفتحةً على مشاركة المرأة في مختلف مجالات الحياة، وكيف كانت المرأة تساهم في بناء الحضارة وإثراء الثقافة والعلوم.