تمثّل مشاركة المرأة في مجال الثقافة الكتابية المهنية خلال العصر الموحّدي واحدةً من أبرز الظواهر الاجتماعية في تاريخ إنتاج الكتاب المغربي. فبعيداً عن أن تكون المرأة محصورة في هامش التقاليد المخطوطة، برزت عدّة نساءً في مجال النساخة والخطّ والزخرفة في وقتٍ كانت فيه الدولة الموحّدية في أوجّ قوّتها الثقافية. ويُعدّ هذا الظهور تحوّلاً مهماً في تاريخ الوراقة المغربية، حيث دحض فكرة حصر هذه المهن بالرجال وأظهر قدرة المرأة على التفوق فيها.

الأندلسيات المستوطِنات

وفي أوائل العصر الموحّدي استقرّ بمدينة مراكش ثلاث ورّاقات أندلسيات، وهنّ دليل على تدفّق الحرفيّات والخطّاطات من الأندلس إلى المغرب في أعقاب السقوط الأندلسي أو الهجرات الثقافيّة التي صاحبت بناء الدولة الموحّدية. لقد ورد في المصادر التاريخية ذكر ورقاء ابنة الشهيرة التي استوطنت مراكش مع أختها الصغرى، واشتغلت كلتاهما بنساخة الكتب رفقة بعضهما البعض. وهي بذلك تشكّل أوّل مثالٍ مذكورٍ لشقيقتين تنشغلان معاً بنساخة الكتب وتصيران حرفةً ورّاقة متوارثةً ضمن البيت الواحد.

وقد مثّل انتقال هؤلاء النسوة من الأندلس إلى المغرب جسراً ثقافياً مهماً بين الحضارتين، حيث حملن معهنّ تقاليد الكتابة والخطّ الأندلسية ودمجنها مع التقاليد المغربية. وأدى هذا التلاقح الثقافي إلى ظهور نمطٍ جديدٍ في الخطّ والنساخة المغربية، حيث امتزجت الأساليب الأندلسية بالأساليب المغربية لتشكيل نمطٍ موحّديٍّ مميّز.

الحاجة الطليطلية: خطّاطة بارعة في فاس

أبرز نسّاجةٍ بارزةٍ في هذه الفترة هي الحاجة الطليطلية، فقد استوطنت مدينة فاس وتوفيت بها بعد عام 540 هـ / 1145 – 1146 م. وصفها المؤرخون بأنّها كانت «خطّاطة بارعة»، وهو وصفٌ يشير إلى أنَّها لم تكن مجرّد ناسخةٍ عاديّة، بل كانت تمتلك موهبة الخطّ المزخرف وتحسين الجماليّات في المخطوطات.

وكانت مدينة فاس في ذلك العهد حاضرةً علميّةً وثقافيّةً كبرى، تزخر بالعلماء والورّاقين والخطّاطين. وقد نجحت الحاجة الطليطلية في إثبات وجودها بين أوساط الورّاقين الذكور الذين كانوا شهود الزمان في ذلك العهد. إنّ وجودها في فاس يشير أيضاً إلى أنّ المهنة كانت تتقبل النساء عندما يتوفّرنّ على ملكاتٍ خاصّةٍ في الخطّ أو الزخرفة، وهو ما يدلّ على مرونة المجتمع الموحّدي في هذا المجال.

أثر الوجود النسائي في الوراقة

تبيّن لنا هذه المصادر أنّ النساء لم يكنّ مجرّد متلقّياتٍ للتعليم أو لنسخ الكتب الخاصة بهنّ، بل كنّ يشاركن بشكلٍ فعّالٍ في السوق الكتابي العام. ويمكننا أن نستنتج أنّهنّ:

  • نسخنّ الكتب العلميّة والأدبيّة للطلبة والباحثين.
  • تعاونّ مع أسرهنّ الرجاليّة في الورشات الورّاقيّة.
  • نقلنّ خبراتهنّ إلى جيلٍ لاحقٍ من النساء والرجال.

وقد مثّل حضور المرأة في مجال الوراقة تجربةً فريدةً في تاريخ المغرب الإسلامي، حيث أظهرت أنّ المرأة كانت قادرةً على المساهمة في مجالات العلم والثقافة والصناعة بفاعليةٍ كبيرة. كما دلّ هذا الحضور على أنّ المجتمع الموحّدي كان أكثر انفتاحاً على مشاركة المرأة في الأنشطة الثقافية والعلمية من كثيرٍ من المجتمعات الإسلامية الأخرى في ذلك العهد.

الخلاصة

إنّ ذكر النساء الورّاقات في المصادر التاريخية للعصر الموحّدي يعني أنَّهنّ كنّ يحتللنّ مكانةً مرموقةً في المجتمع العلمي المغاربي الراسخ آنذاك. لقد لعبن دوراً محوريّاً في إنتاج الثقافة الكتابيّة، مما يثبت أنّ الوراقة المغربية لم تكن حكراً على الرجال، بل كانت حلقةً من العمل الحضاريّ الشامل الذي شاركت فيه المرأة بفاعليّة. ولا يزال هذا الإرث النسائي في مجال الوراقة المغربية مصدر إلهامٍ للباحثين والمهتمين بتاريخ الثقافة المغربية، حيث يبرز دور المرأة في بناء الحضارة وإنتاج المعرفة.