يمثّل العصر العلوي الأوّل (1075–1171 هـ / 1664–1757 م) مرحلةً ذهبيّةً أخرى لحركة الكتاب في المغرب، حيث شهد ازدهاراً كبيراً للنساخة والوراقة نتيجة الاستقرار السياسي الذي وفّره المولى الرشيد وأخوه الإسماعيليون من بعده. ويمثل هذا العصر آخر حقبة كبرى للوراقة اليدوية في المغرب قبل دخول الطباعة الحجرية ثم الميكانيكية، حيث كانت النساخة اليديوية هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الكتب. وقد تحقق في هذا العصر ازدهارٌ علميٌّ وثقافيٌّ كبيرٌ بفضل جهود الورّاقين والنسّاخين الذين عملوا على توسيع دائرة الكتابة وتيسيرها للجميع.

الاستقرار السياسي وازدهار الوراقة

بدخول المولى الرشيد (الذي استولى على فاس عام 1075 هـ) أمسك المغرب بزمام الاستقرار المفقود منذ زمنٍ، وتبع هذا الاستقرار عودة الحياة العلمية والثقافية إلى المدن الكبرى. وكانت الخزائن العامة والخاصة والزوايا كلّها تحتاج إلى كتب جديدة، ممّا فتح آفاقاً رحبةً للورّاقين والنسّاخين. وقد استفاد الوراقون من هذا الاستقرار، حيث أصبح بإمكانهم العمل في بيئة آمنة، ونسخ الكتب دون قلق من الحروب أو الاضطرابات. ويمكن القول إن الاستقرار كان الشرط الأساسي لازدهار الوراقة في هذا العصر.

الطباعة لم تكن قد وصلت بعد

في هذه الحقبة لم تكن الطباعة قد وصلت إلى المغرب ولا إلى أيّ جهة إسلامية، كما يذكر المؤلّف. فكانت النساخة اليديوية هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الكتب. وتعرف هذه الفترة بـ «عهد النساخة الذهبي» الأخير قبل مجيء الطباعة. وقد كان هذا يعني أن الورّاقين كانوا يمثلون مهنة حيوية، وأن الطلب على الكتب كان كبيراً جداً. وقد ساعد هذا الأمر على ازدهار مهنة النساخ، ورفع مستوى الورّاقين اجتماعياً واقتصادياً.

أصناف الورّاقين

تفرّق الورّاقون في هذا العصر إلى عدة أصناف، مما يدل على تطور المهنة وتنوعها. فهناك الورّاقون المعروفون بتراجمهم، كالتعالمي محمد بن الحاج محمد التطواني. وهناك الورّاقون المعروفون بمنتسخاتهم، كالعطار الأندلسي المراكشي الذي وُصف بالسرعة المذهلة في النسخ. وهناك الورّاقون بخطوطٍ منوّعة، كالوزير محمد بن عبد الوهاب. وهناك المصّححون والمخرجون، الذين اختصوا بتصحيح النسخ أو استخراج المؤلفات من مبيضاتها. وكل هؤلاء الأصناف ساهموا في إنتاج الكتاب المغربي، ورفعوا من جودة المخطوطات.

الورّاقون لجهات معيّنة

كان بعض الورّاقين يتعاقدون مع خزاناتٍ أو زوايا معيّنةً لتزويدها بنسخٍ من كتبٍ محددة، فصاروا «ورّاقين لجهةٍ معيّنة». ومثال ذلك الورّاقون الذين خدموا خزانة الزاوية الحمزية بتافيلالت أو خزانة القرويين بفاس. وقد كان هذا النظام يعكس وجود شبكة من العلاقات بين الورّاقين والمؤسسات الثقافية، حيث كانت الخزائن والزوايا تمثل رعاة للورّاقين، وهم بدورهم يقدمون لها الكتب التي تحتاجها. ويمكن القول إن هذا النظام ساعد على تنظيم مهنة النساخ، وضمان استمراريتها.

الأهمية الثقافية

ترك هذا العصر إرثاً ثقافياً كبيراً، حيث تم إنتاج آلاف المخطوطات في مختلف المجالات العلمية والأدبية. وقد ساعد هذا الإنتاج على حفظ التراث العلمي المغربي والأندلسي، وضمان انتقاله إلى الأجيال اللاحقة. كما ساهم هذا العصر في ازدهار الحركة العلمية في المغرب، حيث أصبح بإمكان العلماء الوصول إلى الكتب بسهولة أكبر. ويمكن القول إن العصر العلوي الأوّل كان يمثل العصر الذهبي الأخير للنساخة اليديوية في المغرب قبل دخول الطباعة.

تأثير الطفرة على المجتمع

كان لازدهار الوراقة تأثير كبير على المجتمع المغربي في العصر العلوي الأوّل. حيث أصبح الورّاقون جزءاً من النخبة الاقتصادية والاجتماعية، حيث كانوا يحصلون على أجور جيدة مقابل خدماتهم. كما أنهم كانوا يمثلون قنوات لنشر المعرفة، حيث كانوا ينسخون الكتب ويبيعونها للطلبة والعلماء. وقد ساهم هذا الأمر في ازدهار التعليم، وظهور علماء كبار في مختلف المجالات. ويمكن القول إن الورّاقين كانوا يمثلون واحداً من الأركان الأساسية للحضارة المغربية في هذا العصر.

الخلاصة

إنّ العصر العلوي الأوّل هو آخر حقبةٍ كبرى للوراقة اليدوية في المغرب قبل دخول الطباعة الحجرية ثمّ الميكانيكية، وقد تحقّق في هذا العصر ازدهارٌ علميٌّ وثقافيٌّ كبيرٌ بفضل جهود الورّاقين والنسّاخين الذين عملوا على توسيع دائرة الكتابة وتيسيرها للجميع. لقد كانت مهنةً وطنيّةً شاملةً، شارك فيها علماء من مختلف مدن المملكة، وتركوها لنا تراثاً مادياً وجمالياً لا يُقدَّر بثمن. ولا يزال هذا الإرث يمثل شاهداً على عرفان الحضارة المغربية بخدمة العلم والمعرفة.