يعدّ إنشاء درسٍ لتعلم الخطّ في جامع الشرفاء بمراكش في أوائل العصر السعدي أوّل محاولةٍ منظّمةٍ لتدريس الخطّ العربي في المغرب على غرار ما كان سائداً في المشرق، وكان السلطان المنصور الذهبي هو المشرف الفعليّ على هذه التجربة الفريدة. وقد مثّل هذا الدرس نقلةً نوعيةً في تاريخ التعليم الخطاطي بالمغرب، حيث انتقل التعليم من النقل التقليدي إلى التدريس المنهجي المنظّم على غرار ما كان سائداً في المراكز العلمية الكبرى في المشرق الإسلامي.

البداية والجهة المشرفة

في سنة 956 هـ / 1549 م، أنشأ السلطانُ المنصورُ درساً لتعليم الخطّ بجامع الشرفاء بمراكش، وعهد بإشرافه إلى الخطّاط البارع عبد العزيز بن عبد الله السكتاني. وقد قال ابن القاضي في ترجمته: «له المشيخة على النساخين»، وهي عبارة تشير إلى أنَّه كان رئيساً للدارسين في هذا الدرس.

وكان السلطان المنصور يهتمّ بالخطّ والكتابة اهتماماً كبيراً، حيث كان يرى أنّ الخطّ من أبرز الفنون الإسلامية وأجملها، وأنَّه يستحقّ العناية الخاصة والرعاية السلطانية. ولهذا السبب عهد إلى الخطّاط عبد العزيز السكتاني بإدارة هذا الدرس، حيث كان من أبرز الخطّاطين في ذلك العهد ويمتلك خبرةً واسعةً في مختلف أنواع الخطوط العربية.

أسلوب التدريس

وقد اتبعت طريقة التدريس في هذا الدرس نهج المشرق، حيث كان المعلّم يرسم الجناس ليتعلّم الحروف بقواعد في وضعها وأشكالها متعارفة، فلا يخطر للمتعلّم أن يحكم أشكال تلك الحروف على أوضاع مبتكرة، مراعاةً لقوانين علمية معروفة. وقد شرح ابن خلدون هذه الطريقة شرحاً واضحاً، حيث قال: «وفيها لقنها حسناء وحذق فيها دربةً وكتابة، وأخذها قوانين علمية فيجيء أحسن ما يكون».

وكان أسلوب التدريس يعتمد على التدرّج في تعليم الحروف والكلمات، حيث يبدأ المتعلّم بتعلّم الحروف الأساسية ثمّ ينتقل إلى الجمل والكلمات ثمّ النصوص الكاملة. وكان المعلّم يوضّح قواعد الخطّ وأسسه للمتعلّمين، ويصحّح أخطاءهم ويوجّههم إلى الطريقة الصحيحة في كتابة الحروف والكلمات. كما كان يشجّعهم على الابتكار والتطوير، ممّا جعل هذا الدرس منارةً للتعليم الخطاطي في المغرب.

الجهة التي استفادت منها

وقد صمّم هذا الدرس في المقام الأوّل لتخريج نسّاخين ماهرين يخدمون الديوان النسّاخي للسلطان، وهو الذي كان مقره في جامع قصر البديع بمراكش، أو في الإيوان الشريف بقصور الإمامة العلية. فكانت النتيجة أنَّ بعض الماهرين في هذا الدرس صاروا موظفين رسميين في الديوان المنصوري.

وقد أدّى هذا إلى ازدهارٍ كبيرٍ في مجال الوراقة والنساخة في المغرب السعدي، حيث أصبحت هناك فئةٌ من النسّاخين المحترفين الذين تخرّجوا في هذا الدرس وكانوا يعملون في خدمة الدولة. كما ساعد هذا على تطوير مستوى الخطّ المغربي ورفعه إلى مستوياتٍ رفيعةٍ من الإتقان والجمال، حيث أصبح الخطّ المغربي يُضرب به المثل في الدقة والضبط والجمال.

لماذا لم تنتشر الفكرة؟

ولعلّ السبب في عدم انتشار هذا النموذج فيما بعد، يعود إلى الظروف السياسية التي مرّ بها المغرب في أواخر العهد السعدي، حيث غلبت الفوضى والاضطرابات، ممّا حال دون استمرار هذه التجربة. غير أنَّ فكرة إنشاء مدرسةٍ لتعليم الخطّ قد عاودت الظهور في عصورٍ لاحقة، ممّا يدلّ على أنَّ التجربة السعدية كانت سابقةً مهمّة في تاريخ التعليم الخطاطي بالمغرب.

وقد عادت فكرة إنشاء مدارس لتعليم الخطّ في العصر العلوي، حيث أنشئت مدارسٌ متخصّصةٌ في هذا الفنّ في مختلف مدن المملكة. وبهذا كانت التجربة السعدية نواةً لهذه المدارس اللاحقة، حيث وضعت الأسس والمنهجية التي تمّ البناء عليها في العصور التالية. ولا يزال أسلوب التدريس الذي اتبع في هذا الدرس يُستوحى إلى اليوم في مدارس الخطّ العربية.

علامات التميّز

يظهر من المصادر أنَّ عبد العزيز السكتاني كان يكتب بخطوطٍ مشرقيةٍ متعددة، ممّا يعني أنَّ الدرس كان يتجاوز الخطّ المغربي إلى الخطوط المشرقية أيضاً، وهو ما يعكس انفتاحاً ثقافياً واتصالاً مباشراً بالمراكز العلمية في المشرق الإسلامي. وكان هذا الانفتاح سمةً بارزةً في الثقافة المغربية السعدية، حيث كان العلماء والخطّاطون يتواصلون مع نظرائهم في المشرق ويتبادلون معهم المعارف والتقنيات.

وقد أدّى هذا التواصل إلى تطوير الخطّ المغربي وإغنائه بالأساليب والتقنيات المشرقية، ممّا جعله أكثر ثراءً وتنوّعاً. كما ساهم في نشر الثقافة المغربية في المشرق، حيث كان العلماء والخطّاطون المغاربة يُعرفون بتميّزهم وإتقانهم، ويحظون باحترامٍ كبيرٍ في المراكز العلمية المشرقية.

الخلاصة

إنّ تجربة درس الخطّ بجامع الشرفاء بمراكش تعدّ أوّل محاولةٍ منظّمةٍ لتدريس الخطّ في المغرب، وهي تمثّل نقطة تحوّلٍ من النسخ العفويّ إلى التدريب المنهجيّ. وقد كانت هذه التجربة تسبق بقرونٍ ما سوف يعهد إليه من تدريس الخطّ في العصر العلوي، وهي بذلك ترجع إلى هذا العصر السعدي الفضل الأوّل في تأسيس التعليم الخطاطي المنظم في المغرب. وتبقى هذه التجربة مصدر إلهامٍ لمن يهتمّ بتاريخ التعليم والفنون في المغرب، حيث تظهر أنّ الحكّام كانوا يشجّعون على التعلّم والارتقاء بالثقافة والفنون في مجتمعاتهم.