تُعدّ خزانة مدرسة العلم بجامع المرتضى بمراكش علامة فارقة في تاريخ الحضارة الكتابية المغربية، حيث تمثل أوّل مركز عمومي للكتب يُفتح للطلبة والباحثين في تاريخ المغرب الإسلامي. وقد تأسست هذه الخزانة في زمن الدولة الموحدية، على يد الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف المستنصر بالله، ثم في عهد ابنه يعقوب المنصور. وليس ما يميز هذه الخزانة مجرد كونها أول مكتبة عامة، بل إنها تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم الكتاب والكتب، حيث تحول الكتاب من كونه ملكية خاصة إلى ملكية عامة متاحة للجميع.
النشأة التاريخية والسياق السياسي
كانت الدولة الموحّدية من أعظم الدول حضارة في تاريخ المغرب الإسلامي، حيث اهتمت بالعلم والعلماء اهتماماً كبيراً. فبعد تأسيس الدولة الموحّدية، أصبحت مراكش عاصمة ثقافية كبرى، يجتمع فيها العلماء من مختلف الأقطار الإسلامية. وأراد الخلفاء الموحدون أن يجعلوا من مراكش مركزاً للعلم والمعرفة، فأنشأوا مؤسسات كبيرة مثل جامع المرتضى، الذي كان من أكبر جوامع المغرب وأضخمها. ولم يكتفِ الخلفاء ببناء المسجد فحسب، بل جعلوه مركزاً فكرياً وثقافياً، تضم إلى جانبه مدرسة للعلم وخزانة كتب عامة.
الوثيقة الوقفيّة: أساس الملكية العامة للكتب
تمثل الوثيقة الوقفيّة لهذه الخزانة إحدى الوثائق المهمة في تاريخ المكتبات الإسلامية. فقد حُفظت وثيقتان إحداهما تكمل الأخرى، تشهدان على أن الخزانة كانت مخصصة للقراءة والانتساخ من غير إخراج عنها. وتشير إحدى الوثيقتين إلى أن الوقف سجل في شعبان عام 658هـ، وهو ما يؤكد أن هذه الخزانة جاءت لتمثل أول مكتبة تفتح أبوابها للجميع بدون قيد أو شرط. وقد مثل هذا النموذج الوقفي تحولاً كبيراً في مفهوم ملكية الكتاب، حيث تحول الكتاب من كونه ملكاً خاصاً للفرد إلى كونه ملكاً عاماً للطلبة والباحثين.
المفهوم الجديد للمكتبة العامة
لم تكن فكرة المكتبة العامة معروفة في المغرب قبل عهد الموحدين. فكانت الكتب إما ملكاً خاصاً للعلماء أو مودعة في خزائن خاصة لا يسمح بالوصول إليها إلا لأصحابها. أما خزانة مدرسة العلم بجامع المرتضى، فقد فتحت أبوابها للجميع، مما سمح للطلبة والباحثين من مختلف المدن بالوصول إلى كنوز العلم والمعرفة. وقد مثل هذا المفهوم الجديد تحولاً ثقافياً عميقاً، حيث أصبحت المعرفة متاحة للجميع، وليس محصورة في طبقة معينة من المجتمع.
الأهمية الحضارية للمكتبة العامة
تمثل خزانة مدرسة العلم إنجازاً حضارياً كبيراً، حيث ساهمت في ازدهار الحركة العلمية في المغرب. فقد وفّرت مجالاً واسعاً لنشاط الوراقين والخطاطين والزخرفين، حيث كان النساخ ينسخون الكتب بإشراف المشرفين على الخزانة. كما ساهمت في نشر العلوم والمعارف، حيث أصبح من الممكن للطلبة الوصول إلى كتب عديدة ونسخها ودراستها. وقد أدى هذا إلى ازدهار العلوم في مختلف المجالات، من فقه وتفسير وحديث ولغة وتاريخ. كما أن هذه المكتبة أصبحت نموذجاً تحتذى به في باقي المدن المغربية، حيث ظهرت مكتبات عامة أخرى في مختلف العصور.
الآثار على مهنة النساخ والوراقة
كان لوجود مكتبة عامة أثر كبير على مهنة النساخ والوراقة المغربية. فقد ازداد الطلب على النساخ، حيث كان الطلبة يحتاجون إلى نسخ الكتب لاستخدامها في دراستهم. كما ازدهرت صناعة التسفير، حيث بقي لنا اليوم نماذج من التسفير الموحدي تبرز الدقة الكبيرة والجمال الفائق الذي أُنجز في هذا العصر. وقد ساعد هذا الأمر في ازدهار الحركة الفنية في المغرب، ورفع مستوى المستلزمات الكتابية والزخارف في المخطوطات.
العلاقة بين المكتبة العامة والتعليم
كانت خزانة مدرسة العلم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنظام التعليم في عهد الموحدين. حيث كانت الكتب تُنسخ وتُدرس في المدرسة، ويجتمع الطلبة مع المشايخ للمناقشة والمناظرة. وقد ساعد هذا الأمر في ازدهار الحركة العلمية، وظهور علماء كبار في مختلف المجالات. كما أن هذه المكتبة أصبحت مركزاً ثقافياً يجتمع فيه العلماء لمناقشة القضايا العلمية والدينية، مما ساهم في ازدهار الفكر الإسلامي في المغرب.
التأثير على العصور اللاحقة
ترك نموذج المكتبة العامة في خزانة مدرسة العلم أثراً عميقاً في العصور المغربية اللاحقة. فقد استوحى من هذا النموذج معالم لاحقة، مثل دار الكتب في فاس ومكتبات الزوايا والمكتبة الحسنية بالرباط. وقد سعت كل هذه المؤسسات إلى تحويل المكتبات إلى مراكز ثقافية عامة تخدم الباحثين والطلبة. ويمكن القول إن خزانة مدرسة العلم بجامع المرتضى هي السابقة التاريخية لكل هذه المكتبات، وهي التي وضعت الأساس لفكرة المكتبة العامة في المغرب الإسلامي.
الخلاصة
تمثل خزانة مدرسة العلم بجامع المرتضى بمراكش إنجازاً حضارياً متميزاً في تاريخ المغرب الإسلامي. فهي لا تمثل فقط أول مكتبة عامة، بل تمثل تحولاً ثقافياً عميقاً في مفهوم الكتاب والمعرفة. وقد ساهم هذا التحول في ازدهار الحركة العلمية في المغرب، ووضع الأساس لما سوف يلي من عصور ذهبية في تاريخ الوراقة المغربية. ويمكن القول إن هذه الخزانة كانت علامة على أن المغرب في عهد الموحدين كان يحظى بحضارة راقية، تسعى إلى نشر العلم والمعرفة بين أبنائها.