يقدم الباحث الإيطالي أومبرتو بونجيانينو تصنيفاً منهجياً جديداً للخطوط المغاربية، ألخصه في جداول تفصيلية دقيقة ضمن كتابه المتخصص، مما يُعد إضافة أكاديمية هامة إلى مجال علم الخطوط المقارن. وقد اعتمد بونجيانينو في بنائه هذا التصنيف على تحليل معمق لشهادات مكتوبة وتسجيلات خطية قديمة، حيث بذل جهداً كبيراً في محاولة تصنيف الخطوط المغاربية إلى أنواع ومجموعات مختلفة، معتمداً في ذلك على خصائص شكلية ومورفولوجية محددة يمكن قياسها ومقارنتها.

وقد أشارت المراجعات الأكاديمية إلى أن هذا التصنيف الجديد يترك للجمهور العلمي المتخصص الحكم النهائي على مدى صلاحية اعتماده كأداة منهجية أو اقتراح مراجعة شاملة له، مما يعكس الطبيعة التجريبية والمرنة لهذا العمل العلمي. ويُمثل هذا التصنيف جزءاً من جهد علمي أوسع يهدف إلى فهم تطور الخطوط المغاربية عبر العصور، وكيف أنها انطلقت من الأشكال الكوفية المبسطة وتبلورت تدريجياً إلى أشكال أكثر سيولة وتعقيداً عبر التفاعل مع البيئات المحلية والتأثيرات المتبادلة بين الشرق والغرب الإسلامي.

ويعكس هذا التصنيف الجديد حقيقة أن علم الخطوط المقارن يمثل حقلًا دراسياً في تطور مستمر، حيث يقدم الباحثون والباحثات نماذج وأطراً جديدة لفهم الخطوط وتطورها، تُبنى على ملاحظات دقيقة ووسائل تقنية متطورة في مجال التحليل الخطي. وتُظهر هذه الجهود كيف أن دراسة الخطوط العربية والمغاربية يمكن أن تكون عملاً علمياً دقيقاً ومنهجياً، مع الاحتفاظ في ذات الوقت بالمرونة اللازمة لتفسير البيانات المعقدة وتنوع الظواهر الخطية التي تعجز الأطر الناظمية البسيطة عن استيعابها. وبهذا، يفتح بونجيانينو الباب أمام المزيد من الدراسات المقارنة التي يمكن أن تثري هذا المجال وتعمق فهمنا لتراث الخطوط الإسلامية.

وقد جاء هذا التصنيف ليلبي حاجة أكاديمية ماسّة في مجال الدراسات الإسلامية والخطية، إذ كان الباحثون يعانون من نقص في الأدوات المنهجية الموحدة لتصنيف الخطوط المغاربية وتمييزها عن غيرها من الخطوط العربية الأخرى. فمن خلال تقسيم الخطوط المغاربية إلى فئات محددة بناءً على معايير شكلية واضحة، أصبح بإمكان الباحثين الآن تصنيف المخطوطات غير المنسوبة وتحديد أصولها الزمنية والمكانية بدقة أكبر. وهذا ما يعزز قدرة المؤسسات الثقافية والمتاحف على إدارة مجموعاتها من المخطوطات وفهرستها بشكل علمي صحيح.

كما أن هذا التصنيف لا يقتصر أهميته على الجانب المنهجي فحسب، بل يمتد إلى فهم أعمق لسياقات إنتاج المخطوطات المغاربية. فكل نوع من الخطوط المغاربية يعكس بيئة ثقافية واجتماعية معينة، ويحمل في طياته دلالات على المراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة. وبهذا، فإن التصنيف الذي قدمه بونجيانينو يعمل كدليل منهجي لفهم تطور الحضارة الكتابية في المغرب الإسلامي، وكيف أن الخطوط كانت تتأثر بالعوامل السياسية والاقتصادية والثقافية التي كانت تشكل واقع المنطقة في كل عصر.

ولا شك أن الأسلوب الذي اعتمده بونجيانينو في عرض تصنيفه من خلال الجداول التفصيلية يسهل على الباحثين استخدامه والاستفادة منه في دراساتهم، إذ إن الجداول توفر نظرة شاملة ومقارنة للخصائص الخطية المختلفة في نموذج واحد. وبهذا الأسلوب، يمكن للباحث مقارنة المخطوطة غير المعروفة مع الأنماط المصنفة لتحديد مكانها وزمنها بسهولة أكبر.

ويمثل هذا الجهد أيضاً إضافة إلى التراث العلمي الغربي في مجال الدراسات الإسلامية، حيث يثبت أن الباحثين الغربيين قادرون على المساهمة بشكل إيجابي في فهم التراث الإسلامي إذا ما اعتمدوا على منهجية علمية صارمة وأدوات دقيقة. وقد استفاد بونجيانينو من التراث العلمي السابق في هذا المجال، سواء العربي منه أو الغربي، وبنى عليه ليطور تصنيفاً جديداً يتناسب مع طبيعة الخطوط المغاربية الخاصة.

وقد أثار هذا التصنيف جدلاً أكاديمياً حول مدى موضوعيته وشموليته، وهو أمر طبيعي في أي عمل علمي جديد يحاول وضع أطر منهجية لظاهرة معقدة كالخطوط المغاربية. فبعض الباحثين يرى أن التصنيف دقيق وموضوعي ويحقق الغاية المطلوبة، بينما يرى آخرون أنه يحتاج إلى مزيد من التطوير والمراجعة ليشمل أنواعاً أكثر تنوعاً. غير أن هذا الجدل في حد ذاته يعتبر دليلاً على أهمية العمل وأثره في تحريك البحث الأكاديمي في هذا المجال.

وتجدر الإشارة إلى أن التصنيف لا يعالج فقط الجانب المورفولوجي للخطوط، بل يمتد ليشمل الجوانب الوظيفية والجمالية التي تميز كل نمط خطي. فلكل نوع من الخطوط المغاربية سياقه التاريخي ووظيفته الاجتماعية، بدءاً من كتابة المصاحف الشريفة والكتب الدينية، وصولاً إلى الوثائق الإدارية والخطابات الرسمية. وقد سعى بونجيانينو إلى ربط الخصائص الشكلية لكل نمط خطي بالسياق الذي ظهر فيه، مما يثري التصنيف بأبعاد دلالية أعمق.

ويبقى أن هذا العمل يمثل خطوة مهمة نحو تأسيس علم مغاربي للخطوط، يربط بين الدراسة الشكلية والدراسة التاريخية والاجتماعية، مما يفتح آفاقاً جديدة للباحثين الراغبين في استكشاف هذا الجانب المهم من التراث الثقافي الإسلامي.