تناولت جلسات الملتقى الدولي لفن تجليد الكتب موضوع حفظ الجلد الإسلامي وعرض نماذج من المجلدات الإسلامية المحفوظة في مختلف أنحاء العالم. وقد استعرض الباحثون أمثلة من المجلدات المملوكية والإيلخانية والعثمانية، مسلطين الضوء على كيف أن هذه المجلدات تُعد جزءاً من التراث الثقافي الإسلامي المشترك الذي يمثل إرادة الحضارة الإسلامية عبر العصور. فكل مجلد من هذه المجلدات يحكي قصة عصر كامل، ويعكس مستوى الإتقان الفني الذي بلغه الحرفيون المسلمون في مجال تجليد الكتب وتذهيبها.
وقد أظهرت النماذج المعروضة تنوعاً كبيراً في تقنيات وزخارف تجليد الكتب الإسلامية، من الجلد المبسط إلى المجلدات المذهبة والمزخرفة بالوريقات النباتية والهندسية. ففي كل بلد وكل عصر، كانت تقنيات التجليد تتطور مع الذوق الجمالي والمواد المتاحة، مما خلف لنا تراثاً غنياً بالتنوع والجمال. كما تناولت الجلسات المعارض المصاحبة، حيث عُرضت أعمال حرفيين معاصرين ومجموعات من المجلدات القديمة، مما أتاح للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع هذا التراث والاطلاع على مجهودات الحفظ والصيانة التي تبذلها المؤسسات الثقافية في مختلف أنحاء العالم.
ويمثل حفظ الجلد الإسلامي تحديًا كبيراً، حيث تتطلب هذه المجلدات خبرة عالية ومواد خاصة لضمان بقائها. والجلد، كمادة عضوية، عرضة للتلف مع مرور الزمن بسبب الرطوبة والحرارة والحشرات، مما يتطلب عناية مستمرة وفحوصات دورية. وتُظهر هذه الجهود كيف أن المؤسسات الثقافية في مختلف أنحاء العالم تعمل معاً للحفاظ على هذا الإرث المشترك، مما يعزز التفاهم الثقافي ويُثري المعرفة بتاريخ الحضارة الإسلامية. وبهذا، فإن الحفاظ على الجلد الإسلامي ليس مجرد عمل تقني، بل هو عمل ثقافي وإنساني يخدم التراث المشترك للإنسانية جمعاء.
وقد سلطت الجلسات الضوء على تجارب ناجحة في مجال الحفظ، حيث تم ترميم مجلدات قديمة كانت في حالة تلف متقدم، وأعيدت إلى حالتها الأصلية بفضل الخبرة المتخصصة والمواد الحديثة. كما أن التكنولوجيا الحديثة ساهمت بشكل كبير في عمليات الحفظ، من خلال أجهزة المسح الرقمي والتصوير المتطور، مما يسمح بتوثيق المجلدات وحمايتها من الضياع. وبهذا، فإن الحفظ المعاصر يعتمد على الجمع بين الخبرة التقليدية والتكنولوجيا الحديثة، مما يضمن أفضل النتائج الممكنة.
ويمثل التعاون الدولي في هذا المجال نموذجاً يحتذى به في مجال الحفاظ على التراث الثقافي، حيث تتشارك المؤسسات الثقافية في مختلف أنحاء العالم في الخبرات والموارد لضمان حفظ هذا الإرث المشترك. وبهذا، فإن حفظ الجلد الإسلامي هو ليس مجرد مسؤولية الدول الإسلامية، بل هو مسؤولية عالمية تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً لضمان نجاحها.
كما أن الحفظ يشمل أيضاً الجانب الوقائي، حيث يجب اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع التلف قبل حدوثه، من خلال التخزين المناسب والعرض المتحفي المثالي. وبهذا، فإن الحفظ الصحيح هو عملية مستمرة تتطلب يقظة وعناية دائمة، ولا تقتصر على التدخلات الطارئة فقط.
وقد أظهرت التجارب أن الوقاية خير من العلاج، حيث أن حفظ المخطوط في بيئة مناسبة يقلل بشكل كبير من تكلفة العلاج لاحقاً. وبهذا، فإن المؤسسات الثقافية مطالبة بالاستثمار في البنية التحتية للحفظ، من غرف تخزين مجهزة بأنظمة تحكم في المناخ إلى فرق متخصصة للصيانة الدورية.
وتُعد هذه الجهود جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الحفاظ على التراث الثقافي الإنساني بأسره، حيث أن المخطوطات الإسلامية تمثل جزءاً مهماً من هذا التراث العالمي. وبهذا الفهم، فإن حفظ الجلد الإسلامي هو مساهمة في الحفاظ على التراث المشترك للإنسانية، مما يعزز التفاهم بين الثقافات ويثري الحوار الحضاري العالمي.
كما أن هذا المجال يشهد تطورات متسارعة في السنوات الأخيرة، حيث تم تطوير مواد جديدة للحفظ وطرق مبتكرة للعلاج، مما يفتح آفاقاً جديدة لحماية هذا التراث العريق. وبهذا، فإن الحفظ هو مجال ديناميكي يتطلب من المتخصصين مواكبة التطورات العلمية والتقنية لضمان أفضل النتائج.