يُختتم الكتاب بالقول إن الخط العربي قد قطع مسافات شاسعة ومرور بعدة مراحل تطورية في رحلته نحو الرفاهية الجمالية. بدأ في مكة والمدينة، حيث عرف الخط أشكالاً أولية من الخط، عُرفت بخط مكة وخط المدينة الحجازي. ثم انتقل إلى الكوفة، حيث بلغ مستوى عالٍ من الإتقان وتطور إلى النمط الكوفي الشهير، المتميز بالزاوية والدقة الهندسية. ومن هناك، رافق الجيوش المسلمين والعلماء إلى القيروان، أول مدينة تأسست في المغرب الإسلامي، التي أصبحت مركزاً شهيراً للعلم والثقافة الإسلامية في شمال أفريقيا.
وفي القيروان، تنافس الطلاب لإنتاج مصاحف القرآن ونصوص دينية بخط مختلف عن الأشكال الشرقية، مما أدى إلى ظهور نمط قيرواني متميز جمع بين صرامة الكوفية ومرونة المحلية. ثم انتشر الخط إلى المغرب والأندلس، حيث اتخذ أشكالاً وخصائص جديدة تعبر عن الهوية المحلية لكل منطقة. ولاحقاً، عاد إلى المغرب مع المهاجرين الأندلسيين بعد سقوط غرناطة، ليصبح الخط السائد في جميع مجالات الحياة الثقافية في العالم الإسلامي الغربي.
ويمثل هذا الختام خلاصة لرحلة الخط العربي، التي تُظهر كيف أن هذا الخط لم يكن ثابتاً، بل كان في تطور مستمر، يحمل الثقافة والهوية الإسلامية عبر مسافات شاسعة. وتُذكر كيف أن دراسة هذه الرحلة يمكن أن يفتح آفاقاً لفهم كيف أن الخط كان تعبيراً عن الحضارة الإسلامية وتميزها. فكل مرحلة من مراحل تطور الخط تعكس مرحلة حضارية كاملة، تحمل في طياتها قيم المجتمع وأذواقه وطموحاته.
ولا تقتصر أهمية الخط العربي على الجانب الجمالي فقط، بل تمتد لتشمل الجوانب الاجتماعية والدينية والثقافية، حيث كان الوسيلة الأساسية لنقل العلم والحفاظ على التراث وتدوين التاريخ. وبهذا، فإن رحلة الخط العربي هي في جوهرها قصة الحضارة الإسلامية نفسها، قصة تطور وازدهار وانتشار عبر قارات، تاركةً إرثاً ثقافياً لا يزال يلهم الباحثين والفنانين حتى يومنا هذا.
وقد ترك الخط العربي بصمة واضحة على مختلف مجالات الحضارة الإسلامية، من العمارة إلى الفنون الزخرفية، من المخطوطات إلى الوثائق الرسمية. وبهذا، فإن دراسة رحلة الخط العربي ليست مجرد دراسة لنمط خطي، بل هي دراسة لفكر الحضارة الإسلامية وقيمها وأسلوبها في التعبير عن نفسها. وبهذا الفهم، يمكننا تقدير عمق التراث الثقافي الإسلامي وقيمته العالمية.
وقد تأثرت هذه الرحلة بالعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها المجتمعات الإسلامية، حيث كان كل عصر يضيف إلى الخط سمة جديدة تعبر عن ظروفه وطموحاته. وبهذا، فإن الخط العربي هو ليس مجرد فن، بل هو تاريخ مكتوب بالحبر والذهب، يحكي قصة أمّة بأكملها عبر القرون.
ويمثل هذا الكتاب مساهمة في فهم هذا التاريخ الخطي العريق، ويسعى إلى تقديم صورة شاملة عن تطور الخط العربي من مكة إلى المغرب، مما يفتح آفاقاً أمام الباحثين لدراسة هذا الجانب المهم من التراث الثقافي الإسلامي.
وقد بينت هذه الرحلة أن الخط العربي كان دائماً في حالة تطور وابتكار، مما يجعله نموذجاً للثقافة الحية التي لا تتجمد في الماضي، بل تستمر في العطاء والإبداع. وبهذا، فإن الحفاظ على هذا التراث الخطي هو مسؤولية جماعية تتطلب من جميع المؤسسات الثقافية والباحثين العمل معاً لضمان استمراريته وتطوره في المستقبل.
وتمثل هذه الخاتمة دعوة إلى مزيد من البحث والدراسة في مجال تاريخ الخط العربي، حيث لا يزال هناك الكثير مما يمكن اكتشافه وفهمه من هذا التراث الغني. وبهذا، تظل رحلة الخط العربي مفتوحة، يتابعها الباحثون والنقاد والخطاطون، كل من زاويته الخاصة، مما يثري هذا المجال ويفسح المجال لأجيال جديدة من المبدعين.