تناول الفصل الخامس من كتاب بونجيانينو خطوط المصاحف والخانات في التراث المغربي، مسلطاً الضوء على كيف أن هذه الخطوط كانت تُستخدم لأغراض مختلفة، من تعبدي إلى إداري. وقد ركز المؤلف على الجوانب الخطية والزخرفية، مستلهماً دراسات سابقة، لا سيما تلك المتعلقة بالمصاحف الأولى التي كُتبت في القيروان وقرطبة وفاس. ويهدف هذا الفصل إلى تقديم صورة شاملة عن دور الخطوط في سياقها الوظيفي والجمالي، وكيف أنها لم تكن مجرد وسيلة لنقل النصوص، بل كانت فناً يعبر عن القيم الجمالية والروحية للمجتمعات الإسلامية عبر العصور.
وقد أشار بونجيانينو إلى أن هناك حاجة إلى دراسات مقارنة مكرسة للمصاحف المغربية، التي يعتبرها جزءاً من سلسلة خطية متواصلة تمتد من المشرق إلى المغرب. فدراسة هذه المصاحف لا تقتصر على فهم تطور الخطوط، بل تمتد إلى فهم سياقاتها التاريخية والاجتماعية والدينية، مما يثري معرفتنا بالتراث الكتابي المغربي. كما تناول المؤلف خطوط الخانات، حيث ركز على مواضيع محددة مثل الإمامة في وثائق الموحدين واستخدام الخط المغربي المبسوط الثلث فيها، مما يكشف عن التنوع الوظيفي للخطوط المغربية ومرونتها في الاستجابة لاحتياجات مختلفة.
ويمثل هذا الفصل جزءاً من الجهد الأوسع لفهم كيف أن الخطوط المختلفة كانت تُستخدم في سياقات مختلفة، وكيف أنها كانت تعكس احتياجات وقيم المجتمع. وتُظهر هذه الدراسة كيف أن دراسة الخطوط القرآنية يمكن أن يفتح آفاقاً لفهم الجانب التعبدي من الثقافة الإسلامية، وكيف أن الخط كان يعبر عن الإيمان والتفاني. فكل خط محفور أو مكتوب في مسجد أو مدرسة هو شاهد على عصر من الإبداع الفني والتفاني الروحي، يحمل في طياته روح المجتمع الذي أنتجه.
وقد اشتمل الفصل على تحليل مفصل لأنواع الخطوط المستخدمة في المصاحف المغربية، بدءاً من الخط الكوفي المبسط في العصور الأولى، وصولاً إلى الخطوط المغربية المزخرفة في العصور المتأخرة. كما تناول المؤلف الخصائص الزخرفية المميزة لكل نمط خطي، وكيف أن الزخارف كانت تتكيف مع طبيعة النص وأهميته. فالمصاحف الشريفة، على سبيل المثال، كانت تزين بأجمل الزخارف وأدقها، بينما كانت الوثائق الإدارية تستخدم خطوطاً أبسط وأسرع في الكتابة.
كما أن المؤلف استعرض أمثلة من خطوط الخانات الموحدية، حيث كان الخط المغربي المبسوط الثلث يُستخدم في المراسلات الرسمية والوثائق الإدارية، مما يدل على التزام الدولة الموحدية بالمعايير الخطية الموحدة في إدارة شؤونها. وبهذا، يقدم بونجيانينو للباحثين أداة قيمة لفهم كيف أن الخطوط كانت تعكس بنية المجتمع وقيمه، وكيف أن كل نمط خطي كان يحمل دلالات اجتماعية وثقافية عميقة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الفصل يمثل إضافة مهمة إلى الدراسات المخطوطية المغربية، حيث يجمع بين المنهجية العلمية الدقيقة والمعرفة الواسعة بالتراث الخطي المغربي، مما يجعله مرجعاً أساسياً لكل باحث يريد فهم هذا الجانب المهم من التراث الثقافي الإسلامي. وبهذا، فإن دراسة خطوط المصاحف والخانات تساعدنا على فهم كيف أن الخطوط كانت جزءاً لا يتجزأ من الحياة الثقافية والاجتماعية في المجتمعات الإسلامية.
كما أن هذا الفصل يفتح آفاقاً جديدة للبحث في هذا المجال، حيث يقترح المؤلف موضوعات للدراسة المستقبلية، مثل مقارنة الخطوط المغربية مع الخطوط المشرقية، أو دراسة تطور الخطوط عبر العصور المختلفة. وبهذا، فإن هذا الفصل ليس مجرد دراسة مكتملة، بل هو دعوة إلى مزيد من البحث والاستكشاف في هذا المجال الغني.
وقد أظهرت الدراسة أن خطوط المصاحف لم تكن مجرد أدوات كتابة، بل كانت تعبر عن مستويات مختلفة من القدسية والاهتمام، حيث كانت المصاحف المخصصة للاستخدام الملكي أو الديني تزين بأجمل الزخارف، بينما كانت المصاحف الدراسية تستخدم خطوطاً أكثر بساطة. وبهذا، فإن دراسة هذه الخطوط تساعدنا على فهم البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإسلامية، وكيف أن الخط كان يعبر عن الفروق الاجتماعية والثقافية.