شهدت الفترة النبوية ظهور أشكال أولية من الخط، عُرفت بخط مكة وخط المدينة الحجازي. وعندما هاجر النبي محمد إلى المدينة، سُمي الخط مؤقتاً بخط المدينة، ولكن الاسم مكي بقي في الاستخدام العام، غالباً شاملاً كلا النمطين معاً. وبعد تأسيس الكوفة في عام ثمانية عشر هـ، تحولت النشاط السياسي والثقافي إليها وإلى البصرة، مما أدى إلى انتشار الكتابة وتطورها إلى حرفة محترفة تتطلب عناية خاصة وزخرفة متقنة.
وفي الكوفة والبصرة، تطور خط مكة الذي وصل هناك إلى خط حجازي. ومع نمو الاهتمام بالكتابة وتشعب استخداماتها، تطور هذا الخط إلى ما يُعرف بخط كوفي في الكوفة وخط بصري في البصرة. ومع مرور الوقت، أصبح كوفي هو الاسم الشامل للنمطين معاً، حيث غلب استخدامه على سائر الأسماء الأخرى بسبب أهمية الكوفة كمركز للعلم والكتابة في العصر الإسلامي الأول.
ويمثل هذه الفترة فترة تأسيسية في تاريخ الخط العربي، حيث وضعت الأسس لتقاليد خطية لاحقة امتدت إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وتُظهر هذه الفترة كيف أن الخط تطور في بيئة إسلامية أولية كانت في حاجة إلى أدوات للكتابة والإدارة، مما أدى إلى تخصص هذه الحرفة وتطويرها إلى فن راقٍ. فقد كانت الكتابة ضرورة دينية لتدوين القرآن الكريم، وضرورة إدارية لتسيير شؤون الدولة الإسلامية المتنامية، مما دفع بالمجتمع الإسلامي إلى الاهتمام بالخط وتطويره.
ولم يقتصر دور الخط على الجانب العملي فحسب، بل شمل الجانب الجمالي منذ البداية، حيث كان الخطاطون يسعون إلى تحقيق الجمال في كتابة الحروف مع الحفاظ على وضوحها. وبهذا، وضعت الأسس الأولى لما أصبح لاحقاً علماً قائماً بذاته يجمع بين الدقة العلمية والجمال الفني، وهو ما يميز الخط العربي عن غيره من أنظمة الكتابة في العالم.
وقد تنوعت أشكال الخط في هذه الفترة الأولى، حيث ظهرت منه نسخ رسمية للاستخدام الحكومي والديني، ونسخ أكثر بساطة للاستخدام اليومي والتجاري. وبهذا، كان الخط يعكس بنية المجتمع وتنظيماته، حيث كان لكل مجال نوع من الخط يلبي احتياجاته. وتُظهر هذه التنوعات كيف أن الخط كان جزءاً لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية والثقافية في المجتمعات الإسلامية الأولى، يتطور مع تطور هذه المجتمعات نفسها.
كما أن هذه الفترة شهدت ظهور المدارس الخطية الأولى، حيث تخصص الخطاطون في أنواع معينة من الخطوط، ونقلوا خبراتهم إلى التلاميذ. وبهذا، تأسست التقاليد العلمية في مجال الخط، التي استمرت عبر العصور وأسهمت في ازدهار هذا الفن العريق. وتُعد هذه الفترة بذلك حجر الزاوية في تاريخ الخط العربي، حيث وضعت الأسس لكل ما تلاها من تطورات وابتكارات.
وقد أثرت طبيعة البيئة الحجازية في تطور الخط، حيث كانت المواد المتاحة كالجلد والورق النخي تحدد شكل الحروف وأسلوب الكتابة. وبهذا، كان الخط الحجازي يعكس بيئته المحلية، حتى بعد انتقاله إلى مناطق أخرى كالكوفة والبصرة. وتُظهر هذه التأثيرات البيئية كيف أن الفنون الحرفية تتأثر دائماً بالسياق الذي تظهر فيه، وكيف أن الحرفيين يتكيفون مع المواد المتاحة لتحقيق أفضل النتائج الممكنة.
وقد ارتبط تطور الخط في هذه الفترة بالتطورات السياسية والاجتماعية، حيث أدى توسع الدولة الإسلامية إلى انتشار الخطوط العربية في مختلف أنحاء العالم، مما خلق حاجة إلى تنظيم وتطوير هذه الحرفة. وبهذا، فإن الخط العربي لم يتطور في فراغ، بل كان جزءاً من تقدم الحضارة الإسلامية ككل، يعكس ازدهارها وانتشارها وثراءها الثقافي.
وقد كان للخط الحجازي تأثير واضح على تطور الخطوط اللاحقة، حيث حمل في طياته بذور الأنماط الخطية التي ازدهرت لاحقاً في الكوفة والبصرة. وبهذا، فإن دراسة هذه الفترة الأولى تساعدنا على فهم الأصول التاريخية للخط العربي وتطوره عبر العصور، مما يفتح آفاقاً جديدة للباحثين في هذا المجال.