يعدّ عهد السلطان محمد الثالث بن عبد الله 1171–1204 هـ / 1757–1790 م من الفترات المتميّزة في تاريخ الوراقة المغربية، حيث انعقدت حركةٌ وطنيّةٌ ضخمةٌ لنسخ الكتب، مقرونةً باهتمامٍ كبيرٍ بالدقّة والمقابلة والتصحيح، ممّا جعل هذه الفترة علامةً مميّزةً في تاريخ الكتاب العلوي. وقد مثّل هذا المشروع السلطاني نقلةً نوعيةً في تاريخ الوراقة المغربية، حيث انتقلت الوراقة من النشاط الفردي المتناثر إلى النشاط المنظّم المخطّط تحت رعاية الدولة.
المشروع السلطاني الكبير
ويذكر المؤرّخون أنَّ السلطان محمد الثالثاً كان مولعاً بالكتب، وأنّه قام بمشروعٍ ضخمٍ لنسخ بعض المؤلفات الأساسية في عشرين سفراً أو مجلداً. فقد ذكر أنّ السلطان وجّه سبعةً وخمسين جملاً تحمل الكتب إلى مدينة فاس قصد النساخة. ثمّ في مرّةٍ أخرى، وجّه سبعةً وعشرين سفرةً لنفس الغرض.
وكان هذا المشروع من أكبر المشاريع الثقافية في تاريخ المغرب الحديث، حيث تجاوزت عدد النسخ المطلوبة كلّ ما كان معروفاً من مشاريع سابقة. وقد أظهر هذا الاهتمام السلطان بالكتب والعلوم تقدّماً ثقافياً كبيراً في ذلك العهد، حيث كان الحاكم يعطي الأولوية للمعارف والعلوم ويبذل الأموال والجهود لخدمتها وتعميمها بين الناس.
المؤلفات السلطانية
وقد شمل هذا المشروع الكتب التالية:
1. فتح الباري لابن حجر العسقلاني عشرون سفراً.
2. البيان والتحصيل لابن رشد الجدّ عشرون سفراً.
3. إدراك الأماني لعبد القادر المدعو السلاوي خمسة وعشرون سفراً.
4. الكامل في التاريخ لابن الأثير عشرون سفراً في جمادى الآخرة 1195 هـ.
5. المنتقى لابن سيد الناس سبعة أسفار.
6. تهذيب مسائل المدونة للبرادعي المجلد الأوّل.
7. شرح المختصر الخليلي لابن رحال أربعة عشر سفراً.
وكانت هذه المؤلفات من أبرز وأهمّ المصادر العلمية في مختلف المجالات، حيث شملت التفسير والحديث والفقه والتاريخ واللغة وغيرها. وبهذا كان المشروع السلطاني بمثابة مكتبةٍ وطنيّةٍ شاملةٍ تهدف إلى جمع أهمّ المصادر العلمية في مكانٍ واحدٍ وجعلها متاحةً للباحثين والطلبة في مختلف أنحاء المملكة.
منهجية العمل
وقد كان العمل في هذا المشروع على درجةٍ عاليةٍ من الدقة، حيث:
- المقابلة: كان النسّاخون يقارنون منتسخاتهم بالأصول المعتمدة.
- التصحيح: كان هناك أربعة من علماء فاس أشرفوا على كتابة «البيان والتحصيل» ليكون سالماً من التصحيف والتحريف.
- الضبط: لكلّ واحدٍ من العلماء خمسة أسفار، والتزم القيام بمقابلتها.
وقد تمّ هذا المشروع بأعلى درجات الدقة والضبط، حيث كان العلماء المشرفون على عملية النسخ يتابعون العمل خطوةً بخطوةٍ، ويصحّحون الأخطاء، ويتأكّدون من صحة النصّ قبل اعتماده. وبهذا كانت النسخ السلطانية تُعدّ من أدقّ النسخ وأكثبرها ثقةً في ذلك العهد، حيث اعتمد العلماء والباحثون عليها في دراساتهم وأبحاثهم.
المكتبة السلطانية الناصرية
وقد كان لهذا المشروع مكتبةٌ رسميةٌ هي الخزانة الناصرية بتمكروت، التي أصبحت مركزاً للحفاظ على التراث العلمي. وقد ورد في الخاتمة أنَّ السلطان بعث بنسخ من هذه الكتب إلى مختلف نواحي المملكة، حتّى صارت هذه مكتبةٌ وطنيّةٌ شاملة.
وقد أصبحت هذه الخزانة من أبرز المراكز العلمية في المغرب، حيث كانت تحتضن آلاف المخطوطات في مختلف مجالات المعرفة. وكانت تفتح أبوابها للباحثين والطلبة، الذين كانوا يأتون من مختلف أنحاء المملكة للاطّلاع على كتبها والاستفادة منها. كما كانت هذه الخزانة نموذجاً تحتذى به في الجهات الأخرى، حيث تمّ إنشاء خزائن مماثلة في مختلف المدن والزوايا.
الخلاصة
إنّ مشروع النسخ السلطاني في عهد محمد الثالث بن عبد الله هو مثالٌ على كيف يمكن للرعاية السلطانية أن تضمن حفظ المعرفة ونشرها بين الناس. فقد أنشأ دار وراقةٍ وفيرةٍ بالنسّاخين والمصحّحين، وأفرغت طاقاتٍ جادّةً في خدمة العلم، وتركت لنا آثاراً ماديّةً لا تقدّر بثمن. وهي بذلك سابقةٌ تاريخيةٌ في مجال التنظيم الحكوميّ للفكر والعلم في المغرب الحديث. وتبقى هذه التجربة شاهدةً على كيف كان السلاطين العلويون يهتمّون بالعلم والثقافة، وكيف كانوا يشجّعون على إنتاج الكتب ونشر المعرفة بين رعاياهم.