صدر عام 2000 كتاب دليل الكوديكولوجيا لفرانسوا ديروش، الذي يُعد نقطة تحول في دراسة المخطوطات العربية، حيث قدم لأول مرة دليل عملي يساعد الباحثين على وصف المخطوطات وتحليلها بشكل منهجي. وقد تطلب هذا الكتاب لغة سهلة وشرحاً للجوانب المختلفة لما يُسمى بعلم آثار الكتاب، مما جعله متاحاً للجميع الذين يريدون فهم إنتاج وتاريخ المخطوطات من خلال أمثلة ملموسة من الواقع. وبهذا، سد ديروش فجوة كبيرة كانت موجودة في المكتبة العربية والغربية على حد سواء، حيث كان الباحثون يفتقرون إلى مراجع عملية موحدة في هذا المجال المتخصص.
وقد شارك في تأليف هذا الكتاب خمسة متخصصين في الكوديكولوجيا وتاريخ الكتاب الإسلامي، بالإضافة إلى خبيرين في الكتاب الغربي، مما جعله عملاً متعدد التخصصات يجمع بين المعارف العربية والإسلامية والغربية. واعتمد الكتاب على أمثلة من مخطوطات محفوظة غالباً في المكتبة الوطنية الفرنسية، مما أتاح للباحثين فرصة الاطلاع المباشر على الأنواع المختلفة من المخطوطات ودراستها على أرض الواقع. وبهذا، لم يكن الكتاب مجرد عمل نظري، بل كان دليلاً عملياً يمكن استخدامه في المكتبات والمتاحف ومراكز البحث.
وقد حقق الكتاب نجاحاً كبيراً، حيث نفدت طبعته الأولى بسرعة، وترجم إلى الإنجليزية والعربية والفارسية. ويُظهر هذا الإقبال كيف أن هناك حاجة ماسة إلى مراجع عملية في مجال الكوديكولوجيا، وكيف أن ديروش وغيره من الباحثين سدوا هذه الفجوة من خلال أعمال سهلة الفهم ومفيدة للباحثين في مختلف أنحاء العالم. وبهذا، أصبح هذا الدليل مرجعاً أساسياً للباحثين العرب والغربيين على حد سواء، ويساهم في تطوير الدراسات المخطوطية وتوحيد مناهجها.
ويتناول الدليل موضوعات متنوعة تشمل تاريخ صناعة الورق، وأدوات الكتابة، وطرق التجليد، والترقيم، والعلامات المائية، وطرق فهرسة المخطوطات. كما يقدم نصائح عملية للباحثين حول كيفية فحص المخطوط وتحديد تاريخه وأصله، وكيفية التعامل مع المواد الهشة والقديمة. وبهذا، فهو ليس مجرد كتاب نظري، بل دليل عملي يمكن استخدامه في المكتبات والمتاحف ومراكز البحث.
ويعتبر هذا العمل إضافة مهمة إلى التراث العلمي في مجال الدراسات المخطوطية، حيث ساعد على توحيد المصطلحات وتطوير المناهج، مما يسهل التواصل بين الباحثين من مختلف البلدان والخلفيات العلمية. كما أن هذا الدليل فتح الباب أمام المزيد من الدراسات الميدانية والتطبيقية في مجال الكوديكولوجيا، مما يثري هذا المجال الأكاديمي ويفسح المجال أمام أجيال جديدة من الباحثين للعمل فيه.
وقد استفاد من هذا الدليل أيضاً الحرفيون والمرممون، حيث أصبحوا يدركون أهمية المعرفة الكوديكولوجية في عملهم، وكيف أن فهم هيكل المخطوط وتاريخه يساعدهم على اختيار طرق العلاج المناسبة. وبهذا، فإن دليل ديروش يمثل جسراً بين العالم الأكاديمي والعالم العملي للحفظ والترميم، مما يخدم الهدف المشترك الحفاظ على التراث الثقافي الإنساني.
كما أن هذا الدليل شجع على إنشاء دورات تدريبية وورش عمل في مجال الكوديكولوجيا في مختلف أنحاء العالم، مما أدى إلى زيادة عدد المتخصصين المؤهلين في هذا المجال. وبهذا، فإن تأثير دليل ديروش يتجاوز كونه مجرد كتاب، بل هو مشروع ثقافي وأكاديمي يساهم في بناء قدرات ونهوض بالدراسات المخطوطية في العالم الإسلامي وخارجه.
وقد أظهرت الدراسات اللاحقة أن هذا الدليل ساهم في تطوير مناهج دراسة المخطوطات في الجامعات والمعاهد المتخصصة، حيث أصبح جزءاً من المناهج الدراسية في العديد من البرامج الأكاديمية. وبهذا، فإن دليل ديروش ليس مجرد مرجع للباحثين المتخصصين، بل هو أداة تعليمية تساعد على تأهيل الجيل الجديد من المتخصصين في مجال التراث المخطوط.