تُعدّ رسالة «صناعة تسفير الكتب وحل الذهب» لأحمد بن محمد السفياني، التي أُلّفت في ذي الحجة عام 1029 هـ / 1660 م، أوّل كتابٍ فنّيٍّ متخصّص في المغرب في وصف طرق التسفير وتذهيب الكتب. وهي وثيقةٌ تاريخيةٌ فريدةٌ تكشف عن دقائق الحرفة الورّاقية في العصر السعدي، وتقدم للباحثين صورة واضحة عن التقنيات المستخدمة في صناعة الأغلفة الجلدية وتذهيبها. وقد كان لهذه الرسالة أثر كبير في حفظ التراث الفني للحضارة المغربية، ونقله من طور التوارث السري إلى طور التدوين العلمي المنهجي.
المؤلف وأهمية الرسالة
كان أحمد بن محمد السفياني من أهل فاس، وقد لاحظ في رسالته أنه لم يجد بين أهل زمانه من فيه الأهلية لتعلم هذه الصناعة، لأنّهم كانوا يكتمون تقنياتها. لذلك قام بتدوين قواعدها في هذا الكتيب لينفع به من يأتي بعده من الورّاقين والزخرفين. ويمكن القول إن السفياني كان رائداً في مجال توثيق التقنيات الفنية، حيث كان يعرف أن هذه الصناعة في خطر الضياع إذا لم يتم تدوينها. وقد مثلت رسالته محاولة جادة لحماية التراث الفني المغربي من الضياع، حيث جمع بين النظرية والتطبيق، وقدم شرحاً مفصلاً لكل خطوة من خطوات الصناعة.
تنظيم الرسالة
تألّفت الرسالة من ثلاثة أبواب رئيسية وملحقين، تغطي مختلف جوانب التسفير والتذهيب. فالباب الأول يتناول عمل الدفّ، وهو الجلد الذي يُكسو به ألواح الورق. ويشمل هذا الباب تحضير الجلد، واختيار الأنواع المناسبة، وطرق معالجتها لكي تصلح للتسفير. أما الباب الثاني، فيتناول طريقة حزم كراريس الكتاب وتخييطها وكسوتها بالجلد وتوشيح وسطها بالترنجة وكيفية عمل الأكاليل وتركيب السفر عليها. ويشمل هذا الباب تقنيات تجليد الكتب وطرق تزيين الأغلفة بالزخارف المختلفة.
أما الباب الثالث، فيتناول حل الذهب وغسله وسقيه بالغراء وصفة الكتابة به على الورق والجلد. ويشمل هذا الباب تقنيات التذهيب، حيث كان الخطاطون يستخدمون الذهب لتزيين المخطوطات وتذهيبها. وقد كان التذهيب عملاً يتطلب مهارة عالية، حيث كان يجب إذابة الذهب وخلطه بالغراء، ثم كتابته على الورق أو الجلد بدقة كبيرة. وكل هذه التفاصيل تعكس إتقانه الكبير لفن الزخرفة، واهتمامه الكبير بالجمال البصري للمخطوطات.
التقنيات التي نشرها
تكشف فصول هذه الرسالة عن دقائق تقنيةٍ لم تكن معروفةً من قبل، مما جعلها مصدراً مهماً للباحثين في مجال الفن الإسلامي. فمن التقنيات التي نشرها: حل الذهب، أي كيفية إذابة الذهب وغسله وسقيه بالغراء. والكتابة بالذهب، أي وصفة الكتابة به على الورق أو الجلد. والترنجة، أي طريقة عمل الزخارف الجلدية على الأغلفة. والتسفير الكامل، أي من الفأس وحتى ترميل الكتاب بالذهب. وكل هذه التقنيات كانت أسراراً محروساً في مهنة التسفير، لكن السفياني كشفها للجميع في رسالته، مما أدى إلى انتشارها وتطويرها في العصور اللاحقة.
القيمة التاريخية للرسالة
لا تقتصر أهمية هذه الرسالة على الجانب التقني فقط، بل تكشف عن جانبٍ ثقافيّ مهمّ في تاريخ المغرب. فكان الحرفيّون يقتبسون خباياه ويعتزّون بها، وكانت المعرفة الفنية تنتقل من جيل إلى جيل في جو من السرية والخصوصية، مما جعل هذه الصناعة حكراً على فئات محددة من الأسر أو العائلات. غير أن السفياني غيّر هذا الاتجاه بنشره لهذه المعرفة، حيث جعلها متاحة للجميع. وقد مثل هذا التحول نقلة نوعية في تاريخ الصناعات الفنية في المغرب، حيث أصبح من الممكن لأي شخص يتعلم هذه الصناعة إذا كان لديه الموهبة والرغبة.
الانتشار والدراسة
قد قام المحقّق ريكار، مفتّش الفنون الوطنيّة ومدير متحف الآثار بفاس، بتحقيق الرسالة ونشرها بالمطبعة الشرقيّة بباريس عام 1925 م. ثم أعيد نشرها، وهي اليوم تُعدّ المصدر الرئيسي لفنّ التسفير المغربي التقليدي. وقد استفاد من هذه الرسالة الباحثون والدارسون في مختلف أنحاء العالم، حيث أصبحت مرجعاً أساسياً لدراسة الفن الإسلامي في مجال التسفير والتذهيب. كما أنها تساعد الحرفيين المغاربة المعاصرين على فهم التقنيات التقليدية، وتطويرها بشكل يواكب العصر.
تأثير الرسالة على الحفاظ على التراث
كان لرسالة السفياني تأثير كبير على الحفاظ على التراث الفني المغربي. فقد ساعدت على حفظ المعارف التقنية التي كانت على وشك الضياع، ومكنت الأجيال اللاحقة من التعلم من تجارب الأسلاف. كما أنها ساهمت في ازدهار الدراسات الأكاديمية حول الفن الإسلامي، حيث أصبحت هناك مصدراً أساسياً للباحثين. ويمكن القول إن السفياني كان واحداً من الرواد الذين ساهموا في الحفاظ على التراث الثقافي المغربي، من خلال تدوين المعارف الفنية التي كانت تنتقل شفوياً.
الخلاصة
إنّ رسالة أحمد بن محمد السفياني علامةٌ فارقةٌ في تاريخ التصوير الفني بالمغرب، فقد نقلت الحرفة الورّاقية من طور التوارث السريّ إلى طور التدوين العلمي الميسّر. وهي بذلك تمهّد الطريق أمام دراسةٍ أكاديميةٍ شاملةٍ لفنّ التسفير والتذهيب في الحضارة الإسلامية. ولا تزال هذه الرسالة تمثل مصدراً أساسياً للباحثين والحرفيين، شاهداً على عرفان الحضارة المغربية بالتقنيات الفنية الدقيقة في مجال صناعة الكتاب.