تُعدّ شخصيةُ سليمانَ جنون من أغربِ الظواهرِ في تاريخِ الوراقةِ المغربيةِ في العصر العلوي الثاني، إذ لم يكن مجرّدَ خطّاطٍ أو مزخرفٍ عاديٍّ، بل هو الفنانُ الذي بلغَ من التميّزِ في صناعةِ الزخرفةِ أن صارت المهنةُ نفسُها مقصورةً عليه، فاضطرَّ البلاطُ الحسنيُّ إلى إصدارِ ظهيرٍ رسميٍّ لتكريمِه وإلحاقهِ بسلكِ النساخِ الرسميين. بذلك صارَ سليمانُ جنونَ شاهداً على ذروةِ الزخرفةِ الكتابيةِ في العصر الحسنى وعلى كيفيّةِ تعاملِ الدولةِ مع ندرةِ المواهبِ الورّاقية.
نشأة التميّز الزخرفي
كان سليمانُ جنونَ قد بلغَ في صناعةِ الزخرفةِ والإتقانِ حتّى حازَ التبريزَ فيها وزيَّدَ على من تقدّمه من المزخرفين. وكنتيجةٍ طبيعيةٍ لهذا التفوقِ، استدعَته الدولةُ العلويّةُ ليكونَ في خدمةِ الكتبِ المولويّةِ – هي تلك المؤلفاتُ والمخطوطاتُ التي يصدرُها ويحتفي بها البلاطُ الحسنيُّ ويُهديها للزوايا والمساجدِ والوزراءِ. لكنَّ سليمانَ جنونَ لم يكنْ من أولئكَ النسَّاخينِ الذين يخضعون بسهولة لجداول البلاط. وبناءً على ذلك، كثُرت التعلُّلاتُ منه وأعذارُ التفرُّغِ مِن خدماتِ البلاطِ، ممّا جعلَ المسؤولينَ يفكِّرونَ في حَلٍّ بديل.
المذكرة القضائية والاقتراح الرسمي
استجابةً لهذا الوضع، تقدَّمَ قاضٍ (غير مسمّى في النصِّ) بمذكّرةٍ إلى السلطانِ أو إلى رئيسِ الديوانِ يقترحُ فيها انخراطَ سليمانَ جنونَ رسمياً في سلكِ النساخِ المولويِّين، حيثُ يقبضُ راتباً كاملَهم، حتى «تنقطعَ دَعْواهُ ويقومَ بما كُلِّفَ به». وهذا المقطعُ يبيّنُ كيفَ كانتِ المهنةُ الورّاقةُ تنظمُها مؤسّساتٌ رسميةٌ، وكيفَ أنَّ الموظّفينَ فيها لهم رواتبٌ ثابتةٌ – هي ميزةٌ لم تكنْ متوفّرةً لمعظمِ الورّاقينَ في ذلك الحين. وقد أشارَتِ المذكرةُ بوضوحٍ إلى أنَّ سليمانَ جنونَ «قد حازَ التبريزَ في صناعتِه، وزادَ على مَن تقدّمه ببراعتِه». وأنّ المهنةَ نفسَها صارتْ «مقصورةً عليه»، مما جعله ضرورياً للبلاط.
الظهير الحسني سنة 1318 هـ: التكريم الرسمي
وأساساً على ذلك الاقتراحِ، أصدرَ السلطانُ الحسنُ الأولُ ظهيراً عزيزياً – ثمّ جُدِّدَ بعدَ ذلك – لتوقيرِ سليمانَ جنونَ والاعترافِ بمراتبِه والضمانِ له. وقد جاءَ في نصِّ الظهيرِ: «نُجدِّدُ بحولِ اللهِ وقوَّتِه لما سكَّهُ المترجمُ الطالبُ عبدُ اللهِ بنُ سليمانَ كنون؛ ما بيدَهُ من ظهيرِ سيدِنا الوالد... نأمُرُ الواقفَ عليه من عمالِنا وخدامِنا أن يعلموه ويعملوا به... والسلام؛ في 16 من شعبانَ الأبرَك، عام 1318». وقد تكرَّرَ الظهيرُ في عهدِ سلاطينَ من بعده، مما يدلُّ على أنَّ سليمانَ جنونَ وظّفَ في البلاطِ الحسنيِّ طوالَ حياته، وأُعطيَ حصانةً رسميةً ورتبةً متفوِّقةً على سائرِ المزخرفينَ.
أسلوب سليمان جنون الزخرفي
وصفَ المؤرِّخونَ أعمالَ سليمانَ جنونَ بأنّها مُذهَّبةٌ على رأسِ كلِّ صفحةٍ، حيث تبدأُ كلُّ صحيفةٍ من كتبِه بزخرفةٍ ذهبيَّةٍ فاخرةٍ. ومُلونةٌ بأربعةِ ألوانٍ: أحمر، وأزرق، وذهبي، وأخضر، تتنوّعُ بينَ المسطَّراتِ والزخارف. ومجدوَلَةٌ بالذهبِ، حيث الصفحتان الأوليان من كلِّ جزءٍ من كتبِه تكونانِ مجدوَلَتَينِ بالذهبِ. ومرقومةٌ بأسماءِ الأبوابِ، حيث يستخدمُ الذهبَ لكتابةِ عناوينِ الأبوابِ أو أسماءِ الشّارحينَ. وكل هذه التفاصيل تعكس إتقانه الكبير لفن الزخرفة، واهتمامه الكبير بالجمال البصري للمخطوطات.
أين كان يعمل؟
كانَ المقرُّ الرسميُّ للورّاقينَ بالبلاطِ الحسنيِّ (خلالِ العصر الحسنى الأولِ ومتوسِّطِه) هو مدينةُ فاس، حيثُ كانَ هناكَ حيٌّ مخصّصٌ للورّاقينَ، تجمعهُم خزانةُ القرويينِ، والزاويةُ الناصرية، وبيوتُ المالِ التابعةُ للبلاطِ. وكان سليمان جنون يعمل في هذا الحي، حيث كان يزين المخطوطات للبلاط وللخزائن الكبرى. ويمكن القول إنه كان رمزاً للازدهار الفني في العصر العلوي الثاني.
الخلاصة
سليمانُ جنونَ هو مثالٌ نادرٌ على كيف يمكن لشخص واحد أن يهيمن على حرفة كاملة بحيث يصبح ضرورياً مؤسسياً. فالصناعةُ التي كان يمتلكُها لم تَكُنْ مجرّدَ مهارةٍ فنية، بل كانتْ مورداً وطنياً نادراً اضطرَّ البلاطُ الحسنيُّ لحمايتِه بظهيرٍ رسميٍّ. وبقيت أعمالُه محفوظةً في خزائنِ الكتبِ المغربيةِ، شاهداً على عصرٍ كانَ فيه الفنُّ الورّاقيُّ البلاطيُّ في أوجِ ازدهاره. ولا يزال هذا النموذج مرجعاً لمن يريد فهم كيف كان يمكن للدولة أن تدعم المواهب الفنية في الحضارة المغربية.