يقدم الكتاب شهادات معاصرة عن جمال الخط الأندلسي، حيث يروي ابن خمسين عن جمال مصاحف ابن غطوش في شرق الأندلس، قائلاً إنها جميلة بشكل استثنائي، بجاذبية ساحرة وترتيب يشهد على صبر النساخ وإتقانه. كما ينقل ابن حزم، نقلاً عن ابن غالب، أن أهل الأندلس هم حرفيون وخبراء ماهرون، مثل الأتراك في مهاراتهم الحربية وإتقانهم للتقنيات العسكرية، مما يدل على المستوى الرفيع الذي بلغه الحرفيون الأندلسيون في مختلف المجالات، ليس فقط في الخط بل في جميع الفنون والحرف.

وتُظهر هذه الشهادات كيف أن الخط الأندلسي كان يُقدر في زمانه، حيث كان يُنظر إليه كتعبير عن التميز الحضاري للأندلس. فالنقاد المعاصرون كانوا يدركون جمال هذا الخط وقيمته الفنية، وكانوا يحرصون على نقله وتدوينه للأجيال اللاحقة. كما أنها تُذكر كيف أن الخط كان جزءاً من الهوية الثقافية، حيث كان يُستخدم للتفاخر والاعتزاز بالانتماء إلى حضارة أندلسية مزدهرة عرفت بالعلم والثقافة والفنون الجميلة.

ويمثل هذه الشهادات جزءاً من تقليد النقد الفني في الحضارة الإسلامية، حيث كان النقاد يقدمون تقييمات للفنون والآداب، معتمدين في ذلك على ذوق رفيع ومعرفة عميقة بالأسس الجمالية. وتُظهر كيف أن دراسة الخطوط يمكن أن يفتح آفاقاً لفهم القيم الجمالية للمجتمعات الإسلامية، وكيف كانت تُقدر الجمال والإتقان في الفنون الحرفية. فالنقد الفني في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد رأي شخصي، بل كان نتاج معرفة واطلاع على معايير الجمال المتعارف عليها في ذلك العصر.

وتؤكد هذه الشهادات أن الخط الأندلسي لم يكن مجرد وسيلة لنقل النصوص، بل كان فناً قائماً بذاته يحظى بالتقدير والإعجاب، مما يرفع من شأن الحرفيين والخطاطين الذين يمارسونه. وبهذا، فإن دراسة هذه الشهادات تساعدنا على فهم القيمة الثقافية للخط في الحضارة الإسلامية، وكيف كان يعتبر جزءاً لا يتجزأ من الحياة الثقافية والاجتماعية.

وقد امتد هذا التقدير للخط الأندلسي إلى مجالات أخرى، حيث كان الخطاطون الأندلسيون يُستدعون للعمل في بلاد المغرب والأندلس، مما يدل على سمعتهم الطيبة ومهارتهم العالية. كما أن مصاحفهم كانت تُهدى إلى الملوك والسلاطين كتحف ثمينة، مما يعكس المكانة الرفيعة التي كان يحتلها هذا الفن في المجتمع الأندلسي. وبهذا، فإن الخط الأندلسي كان يمثل قمة الإبداع الفني في عصره، ولا يزال يحظى بالتقدير حتى اليوم.

وتدل هذه الشهادات على أن النقد الفني في الحضارة الإسلامية كان متقدماً ومتطوراً، حيث كان النقاد يمتلكون معايير دقيقة للحكم على جودة الأعمال الفنية، وكانوا يعبرون عن آرائهم بأساليب أدبية رفيعة. وبهذا، فإن دراسة هذه الشهادات لا تقتصر على فهم جمال الخط الأندلسي، بل تمتد إلى فهم تقليد النقد الفني في الحضارة الإسلامية بشكل عام، وكيف كان يمثل جزءاً من الثقافة الأدبية والفكرية لذلك العصر.

وقد اهتم المعاصرون بتسجيل هذه الشهادات وكتابتها في المصادر التاريخية، مما أتاح لنا اليوم الاطلاع عليها والاستفادة منها في فهم الجانب الجمالي للخط الأندلسي. وبهذا، فإن هؤلاء النقاد المعاصرون يساهمون في بناء تراث نقدي غني يمكن أن يفيد الباحثين المعاصرين في دراساتهم. وبهذا الفهم، يمكننا تقدير دور النقد الفني في الحضارة الإسلامية ودوره في تطوير الفنون والآداب.

وقد أثرت هذه الشهادات في تشكيل الذوق الجمالي للأجيال اللاحقة، حيث كانت تدرس في المدارس والزوايا كجزء من التعليم الثقافي. وبهذا، فإن النقد الفني في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد تأريخ للأعمال الفنية، بل كان جزءاً من عملية التربية الثقافية التي كانت تهدف إلى تنمية الذوق الجمالي لدى النشء. وتُظهر هذه الشهادات كيف أن الحضارة الإسلامية كانت تولي اهتماماً كبيراً بالفنون والجمال، وتعتبره جزءاً لا يتجزأ من التعليم الثقافي الشامل.