تُعدّ رسالة ابن مرزوق الحفيد «تقرير الدليل الواضح المعلوم على جواز النسخ في كاغد الروم» حدثاً بارزاً في تاريخ الوراقة المغربية، فهي لا تمثّل مجرّد رأيٍّ فقهيٍّ، بل تعكس تحوّلاً اجتماعياً وثقافياً كبيراً قد حصل في نهاية العصر المريني، حيث دخل الورق الرومي الأوروبي إلى المغرب وتنافس مع الورق الوطني. وقد كان لهذه الرسالة أثرٌ كبيرٌ في تطوير الوراقة المغربية وتكييفها مع المستجدّات الماديّة والثقافية.

خلفية النزاع

كان المغاربة في القرون السابقة يستخدمون الورق الوطني المنتج في فاس وسبتة، وقد عُرف الورق الفاسي بجودته وامتيازه على الورق الأجنبي. لكن في نهاية القرن التاسع الهجريّ / الخامس عشر الميلاديّ، بدأ الورق الأوروبي الرومي ينتشر في المغرب، حتّى صار يزاحم الورق الفاسي والورق المصري والبغدادي في أسواق النّسخ.

وقد أثار هذا التحوّل تساؤلاتٍ فقهيةٍ خطيرة، تتمثل في جواز كتابة المصحف الشريف أو الكتب العلميّة على هذا الورق الجديد الذي لم يكن معروفاً من قبل، ومدى طهارته وصلاحيته للاستخدام في أمور العبادات. وتجلّى هذا الجدل في شكل رسائل وفتاوى واجتهادات فقهية حاولت الإجابة على هذه التساؤلات في إطارٍ شرعيٍّ سليم.

رأي ابن مرزوق الحفيد

ولمّا ورد سؤال من أهل مكناسة الزيتون حول هذه المسألة، ألف ابن مرزوق الحفيد رسالته الشهيرة التي يقرّر فيها جواز النسخ على الورق الرومي، مستنداً إلى الأدلّة الشرعية والاستقراء التاريخي. وقد جاء في الرسالة قوله: «وقد كان الورق الرومي طاهراً، ولا يمنع من الكتابة به».

وقد اعتبر ابن مرزوق أنَّ الورق بحدّ ذاته لا ينتقل إليه النجاسة ما لم يصل إليه مائعٌ نجس، وإذن فالكتابة عليه جائزة بلا حرج. واعتمد في اجتهاده هذا على القاعدة الفقهية القائلة بأنّ الأصل في الأشياء الطهارة، ولا يُحكم بنجاستها إلا بدليلٍ صريح. كما استند إلى الواقع العمليّ الذي كان يُثبت أنّ الورق الرومي لم يكن ملوّثاً ولا متنجّساً، بل كان يأتي من مصادرٍ نقيةٍ ومستورداً بطريقةٍ مشروعة.

الآثار الثقافية

ولعلّ أهمّ ما في هذه الرسالة أنّها أظهرت تأثيراً عميقاً على مستوى الوراقة المغربية:
- التكيّف: قبل المغاربة باستخدام الورق الأوروبي، ممّا وفّر موادّ جديدةً للورّاقين وسهل عمليّة النسخ. وفتح هذا الباب أمام تنوّع الموادّ المستخدمة في الكتابة والوراقة.
- التفاعل الحضاري: دلّ هذا القبول على انفتاح المغرب على الموادّ والمنتجات الأوروبية حتى في مجال الكتاب والكتابة. وبرهنت هذه الرسالة على أنّ الحضارة الإسلامية كانت قادرةً على التفاعل مع الحضارات الأخرى والتكيّف مع المستجدّات دون أن تفقد هويّتها.
- استمرارية الوراقة: لم يتوقف الورّاقون عن العمل بسبب هذا التحوّل، بل تكيّفوا مع الورق الجديد واستمروا في نشاطهم. وأدّى هذا التكيّف إلى استمرار ازدهار الوراقة المغربيّة في العهود اللاحقة.

المسألة في مصادر أخرى

ويُلاحظ القلقشندي المصري أنَّ المغاربة لعهده كانوا لا يزالون يكتبون المصاحف الشريفة على الرّقّ، بينما كانت الكتابة على الجلد قد انتهت في القرن الثالث عشر الهجريّ، وهو ما يدلّ على أنّ التحوّل من الرقّ والورق المحليّ إلى الورق الأجنبي كان تدريجياً وحتّى متأخراً في بعض المدن.

وقد أظهر هذا التحوّل التدريجي أنّ الوراقة المغربية لم تكن مستقلّة بذاتها، بل كانت جزءاً من شبكةٍ حضاريّةٍ واسعةٍ تمتدّ إلى أوروبا والشرق. وكانت هذه الشبكة تتيح تبادل الموادّ والتقنيات والأفكار بين مختلف الحضارات، ممّا يسهم في تطوير الصناعات والعلوم والمعارف على حدٍّ سواء.

الخلاصة

إنّ مسألة الورق الرومي مثالٌ واضحٌ على كيفيّة تفاعل الحضارة الإسلامية مع المنتجات الأجنبية وكيفيّة تكييفها مع المتغيّرات الماديّة والفنّية في إطارٍ فقهيٍّ سليم. لقد أثبت ابن مرزوق باجتهاده أنّ الوراقة المغربية لم تكن مستقلاًّة بذاتها، بل كانت جزءاً من شبكةٍ حضاريّةٍ واسعةٍ تمتدّ إلى أوروبا، وأنّ الاستفادة من كلّ ما هو نافعٍ جائزةٌ طالما لم تخالف القواعد الشرعية. وتبقى هذه الرسالة شاهداً على مرونة الفقه الإسلامي وقدرته على مواكبة التغيّرات والتطوّرات في مختلف مجالات الحياة.